الإعلام في سوريا: من سلطة رابعة إلى ضحية أولى

حسين جلبي

سيكون في الأمر تجنياً كبيراً، و ربما ترفاً
إذا ما اعتبرنا الإعلام في سوريا قبل بدء الثورة السورية في آذار 2011 سلطةً رابعة
أو حتى إعلاماً في الحد الأدنى، كيف ذلك و العاملين فيه، الذين كانت يجمعهم إتحاد
يتبع الحكومة السورية هم من كان يرتعد أمام السلطات الشكلية الثلاث الأخرى، و التي
تنتهي جميعها في قبضة أمنية حديدية واحدة تحصي على الصحفي الكلمة و اللون، و ذلك بدلاً
من أن تحسب تلك السلطات له حساباً، و هي تقف في غير مكان مذعورةً أمام سلطانه، بكل
مخالفاتها و انتهاكاتها.

التغيير الذي أحدثته الثورة السورية كان قد وضع الأمور في نصابها الصحيح، إذ حررت
الإعلام من القالب الحكومي، و أصبح للإعلام الحر سطوة وسلطة، جعلت حتى أوصال رئيس
النظام السوري بشار الأسد ترتعد أمام صور المظاهرات السلمية التي طافت العالم على
أجنحة الإعلام السوري الوليد، و ليعتبر من لحظتها الإعلامي أشد خطورةً من المتظاهر
و يجعله محلاً للملاحقة و التصفية، و هكذا بدأ بعد حين تغير كبير، إذ تحول الإعلام،
ومع تزايد الانتهاكات و زيادة أرقام ضحايا الإعلام من سلطة رابعة إلى ضحية أولى،
لكن الصحفيين السوريين، و كذلك المواطنون الصحفيون بقوا متمسكين بسلطتهم رغم الدماء
الغزيرة و الخسائر الفادحة، بقوا يسيرون في حقل الألغام، تحت سماء تمطر، و دون رحمة
براميل متفجرة، لا بل تابعوا العمل حتى وراء حدود الوطن، رغم أن تلك الحدود لم تمنع
القتل من اللحاق بهم و النيل منهم.
يتحدث الأمين العام للأمم المتحدة في رسالته
لهذا اليوم، بمناسبة الذكرى الثانية لليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على
الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، عن مقتل 700 صحفي على مدى العشر سنوات الماضية بسبب
قيامهم بواجبهم المهني، المركز السوري للحريات الصحفية في رابطة الصحفيين السوريين
وثق من جهته مقتل 313 إعلامياً في سوريا، ما بين صحفي و مواطن صحفي، حتى نهاية شهر
أيلول 2015، أي بمعدل إعلامي واحد كل ستة أيام، و إذا أضفنا لهؤلاء أعداد من قتلوا
خلال الشهر الماضي و من يخشى ذويهم الإعلان عن مقتلهم، فإن العدد يقارب، في أقل من
خمس سنوات نصف ما أعلنت الأمم المتحدة عن مقتلهم في العالم خلال عشر سنوات، هذا عدا
عن العشرات من الصحفيين المجهولي المصير في سوريا، و الذين هناك خشية حقيقية على
مصيرهم، و يحدونا الأمل لرؤيتهم أحياء يوماً.
لقد وثق المركز السوري للحريات
الصحفية أنماطاً من الانتهاكات ضد الإعلاميين في سوريا لم يشهد لوحشيتها العالم
مثيلاً، لقد أُستهدف الصحفيون و المواطنون الصحفيون في سوريا بأقصى درجات القوة و
العنف لوقفهم عن العمل الإعلامي و منعهم من توثيق الانتهاكات و نقل الحقيقة، فقد
كان هناك تفنناً في العقاب لإرسال رسائل رعب للإعلامي و المجتمع، كان هناك القتل
تحت التعذيب و بالرصاص المتفجر، كان هناك القتل بقوة نارية كبيرة من صواريخ و
براميل متفجرة، و كان هناك الذبح و الجرح و الاعتقال و الإخفاء و الترهيب و حتى
النفي، و تعرضت المراكز و المؤسسات الإعلامية لهجمات في مخالفة صريحة لقرارات و
دعوات الأمم المتحدة التي تعتبر الإعلاميين و العاملين معهم أشخاصاً مدنيين ينبغي
توفير الحماية لهم و عدم التعرض لهم، و المراكز الإعلامية أعياناً مدنية ينبغي
الحفاظ على سلامتها، أننا نشهد الانتهاكات بشكل يومي في مهمة تبدو صعبة جداً لكنها
لا تصل إلى مستوى الألم الذي يعيشه الضحايا، حيث يصعب أن يمر يوم واحد دون أن نقوم
بتسجيل انتهاك أو التحقيق في انتهاك واقع، لكن العالم الذي أدهشته تلك الانماط من
الانتهاكات غير المسبوقة، و لأسباب لا تستدعي كل ذلك العنف الممنهج، أدهشته كذلك
روح التحدي و الاصرار على نقل الحقيقة التي تمتع بها الإعلاميون السوريون و زملائهم
الذين قطعوا الحدود غير آبهين بالمخاطر، و هو ما نال تقديراً أحياناً من قبل بعض
المنظات الدولية، التي ترجمت تقديرها جوائز قيمة، زينت صدور صحفيين سوريين
شجعان.
أوقفوا قتل السوريين، أوقفوا قتل الصحفيين السوريين، و الدعوة موجهة
لجميع من يملك نفوذاً على التنظيمات المسلحة مهما كان شكل وجودها، و التي لا يتسع
المكان لذكرها، في حين تظهر أسماءها كل مرة في تقارير الانتهاكات الشهرية و الربع
سنوية و السنوية التي يصدرها المركز السوري للحريات الصحفية في رابطة الصحفيين
السوريين، الدعوة موجهة لروسيا التي انضمت أخيراً، و بقوة لنادي منتهكي حقوق
الإعلام في سوريا، حيث سيظهر اسمها في تقرير انتهاكات حقوق الإعلاميين لشهر نوفمبر
2015، و قد قتل طيرانها عدداً من الإعلاميين خلال الشهر الماضي، لا لشئ سوى لقيامهم
بواجبهم المهني.
حسين جلبي
مدير المركز السوري للحريات الصحفية
في رابطة
الصحفيين السوريين
2 نوفمبر 2015

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…