وجوه قامشلي التي لم تكنْها «في زيارتي السنوية إليها صيف 2019 » – 16/7

ابراهيم محمود 
 
16- بورتريهات وجوه  
7″- وجه دوقو، إلى أي وجه ينتمي ؟
ربما يكون العنوان هذا لافتاً، بما أنه يخص وجهاً فولكلورياً يعرفه المحيطون به، في حي الكورنيش: بنغلادش، وحيث يكون بيته/ لابيته الواقع على طريق الحسكة، وفي موقع يحسَد عليه، كما أرادته أمه ذات الصيت هدله/ هدلي  Hedlê ، وللتقريب أو التحديد أكثر Hedla qereçî التي عرفتها منطقة ضمن مساحة واسعة، وربما أبعد من ذلك، وهي تصطحب معها دوقو” يها “، دائرة من بيت إلى بيت، حاملة مخلاتها  tûrkê xwe، وهو يمشي ببطء بوجه كإنسان نياندرتالي، يتقدمه صندوق صغير، ربما بديلاً عن مخلاة أمه.
أسمّيه بلقبه، فاسمه: مروان، ولا أدري لماذا ” تدوَّق- صيرَ دوقو ” هذا الاسم الآخر، اللقب اللافت بتهجئته، وقد طغى على اسمه الفعلي ذاك. ليبقى وحيداً بعد موت والدته.
لحضوره هنا، وفي هذا المقام القامشلاوي، هو أنه أصبح جزءاً من الحياة اليومية لأهل حيه، ناحية منظره/ شكله/ قيافته، بنحافته أو هزاله، وسمرته الغامقة المشَحوَرة، وشفته المتهدلة، وعينيه الصغيرتين، إذ بالكاد تنظران إلى الذي أمامه، ويديه اللتين تبدوان كعصفور يلف مخالبه على السلك الذي حط، وبالنسبة لدوقو هما ربما من باب التوازن، ربما لأنه يظهِر عدم اكتمال نموه، ربما يثير خيالات وخيالات، وهو بطبيعة أقرب إلى البلاهة والهدوء السلبي كثيراً. من ينظر إليه يقدّر أنه لا يتناول الطعام إلا لماماً، ويستحق النظر في طبيعته تلك.
يتميز بجلَد، وربما بعناد لا يعرف متى تحين ساعته. يقال أنه وقع والحمار ” كيف التقيا؟ ” في حفرة، على أثر الوقعة نفق الحمار، وبقي هو عالقاً لأيام حتى عثر عليه. والمغزى، هو جانب لامبالاته بما يجري من ناحية، وأن ليس هناك من ينشغل بأمره من ناحية أخرى .
لا يفرض نفسه على أحد، ولا يرجو أحداً جهة الاستعطاء، إنما من يقدّر ذلك. وفي هذا المشهد القابل لأكثر من سؤال لمعرفة موقعه في مجتمع، ينتمي ولا ينتمي إليه، أكثر من كونه فضولاً، وإنما ما يمكن النظر فيه من خلاله. فدوقو، وهو أبسط ما يمكن قوله، غير معني بما يجري حوله، غير معني بموته، لأنه غير معني بقيافته” بمظهره ؟ لأنه غير معني بمن ينظر إليه، أو من تستوقفه صورته، وانحاءة رأسه، واحديداب ظهره، وقد جاوز الأربعين عاماً، غير معني بما يتحدث فيه الآخرون، وكيف يضعون ترتيبات لأوضاعهم، لا بل قل: لما ينبغي عليهم فعله، جهة التعامل مع الآخرين، كيف يضايقون بعضهم بعضاً، ويزوِرون بعضهم بعضاً، وينهبون بعضهم بعضاً، وينصبون فخاخاً لبعضهم بعضاً، ويستهلكون أعمارهم في ” القال والقيل “.
أتراني استرسلت مع صورة دوقو، واسم دوقو، وما قرأته في دوقو كما يعنيني بتصور آخر؟
لا أنال من دوقو، أو أهله، أو نسبه، أو جماعته الرحالة، وقد خصصت له موقعاً هنا، إنما ما يثير فضولي المعرفي، ومن الجهة النفسية والفكرية بالمقابل، وكيف يكون سخرية هذا أو ذاك، وهو في موقع المقصي بعيداً. إذ لا بد أن لدوقو ما ينظر به وإليه، له آلامه وآماله، ما يوجعه، ما يبكيه، ما يرغب فيه ويشتهيه، سوى أن انقلابه داخلاً وخارجاً، أفضى به لأن يكون كائناً آخر، وليس من آخر يفكّر فيما يكونه دوقو، الذي سيموت ذات يوم، ويختفي فجأة، دون أن يترك أثراً، سوى أن الشيء الحميد المحمود، هو أن ليس من أحد، أي أحد، بقادر على أن يقول، مثلاً ” أقول مثلاً “: ابن الحرام كان ينهب الناس، يبتزهم، ينصب عليهم، يمسهم في أعراضهم، يحسدهم فيما هم عليه…الخ، وهذا وجه آخر يستنسخ قرائياً من دوقو”نا ” البسيط والإنسان !
……… يتبع
“8- وجه حسين فرمان شهيد ماء متجهم 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين تُعدّ تجربة “الإدارة الذاتية” في شمال وشرق سوريا، التي قادها حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) كقوة أمر واقع، واحدة من أكثر النماذج السياسية إثارة للجدل في السياق السوري المعاصر،. حيث اتسمت هذه التجربة بازدواجية حادة بين الطرح الأيديولوجي “الأممي” والممارسة السلطوية الصلبة . إذ استثمر الحزب في الفراغ الأمني والعسكري الناجم عن انسحاب مؤسسات الدولة السورية المركزية ليؤسس كياناً…

د. محمود عباس حين أعلن دونالد ترامب اقتراب نهاية الحرب على إيران، بدا وكأنه يتحدث عن صراع يمكن حسمه بقرار أمريكي. لكن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فهذه الحرب لم تعد قرارًا أمريكيًا خالصًا، بل أصبحت تقاطعًا لمصالح قوى كبرى وإقليمية، لكل منها حساباتها الخاصة في استمرار الحرب أو إنهائها. في أوروبا، تبدو الصورة مزدوجة. دول حلف شمال الأطلسي لا ترغب في…

عبد الرحمن الراشد هل أصبحت إيران قبل أمس ليست إيران كما أمست عليه قبله؟ قد يكون حكمي متعجلاً على اعتبار أن المفاوضات لم تبدأ، وحاملات الطائرات الأميركية لم تغادر عائدة إلى قواعدها، والهدنة فقط أسبوعان. مع هذا فإيران على الأرجح تغيرت؛ لعاملين رئيسيين: الحرب والسلام. الهدنة التي أعلن عنها ترمب، فجر أمس، نتاج تغيير في القيادة الإيرانية وما…

شيرين خليل خطيب في وقتنا الحالي، أصبح من السهل رؤية ما أسميه بـ”وهم الاستحقاقية” عند أغلبية النساء. الظاهرة واضحة: هناك نساء يعتقدن أن كل رجل يجب أن يخضع لهن، يقدسهن، ويحقق كل رغباتهن بلا نقاش، حتى وإن كانت تلك الرغبات خيالية أو سخيفة. للأسف، كثير من هذه النساء لا يمتلكن أي أساس حقيقي للمعايير العالية التي يفرضنها: لا نضج عاطفي،…