رهانات الواقع الكردي والخيارات الصعبة ..!

اكرم حسين
بعيدا عن الموقف الامريكي من الثورة السورية ، بصفتها حرب سنية- شيعية وتنافس خليجي فارسي ، حول النفوذ في المنطقة ، وعن كل ما يمكن ان يقال من تجاوزات او انتهاكات،  قبل اعلان الانتصار في الباغوز(22-3-2019 ) او بعده . فان الاداء العسكري لقوات الحماية الشعبية (ypg-ypg) ، وتحرير مدينة كوباني بالتعاون مع البشمركة والتحالف الدولي ، والقضاء على داعش من قبل قسد ، التي باتت الجسم العسكري لكل القوات العاملة في روج افاي كردستان وشرق الفرات ، كان عملا استثنائيا ، وتحديا للخيال ، اضافة الى ما حققته البشمركة في اقليم كردستان ضد داعش في المواجهة ذاتها ، مما دفع بان تحظى هاتان القوتان بشعبية واسعة تخطت حدود الجغرافيا ، وعززت حضورهما وثقتهما لدى المجتمع الدولي ، بحيث باتتا حليفا موثوقا ، وشريكا حقيقيا في مواجهة الارهاب ، 
وتلقتا نتيجة لذلك الدعم الوفير والمهارات العالية في التدريب والقتال وفي العمليات الامنية والاستخباراتية الخاصة . غير ان هذا الانجاز العسكري ، لم يستطع ان يتقدم ، ويتطور، الى نوع من التماسك الاجتماعي ، ومواجهة الأخطار المحدقة بالمنطقة بسبب افتقاد الادارة الى سياسة اقتصادية واجتماعية وادارية شفافة ، وفشلها في تحقيق اطار سياسي واجتماعي حولها ، وبسبب غياب هذه السياسة ، بقيت هذه الادارة رخوة ، وضعيفة ، رغم مشاركة بعض المكونات الاخرى فيها ، من عرب ، وسريان ، لكن هذه المشاركة ، ظلت محدودة ورمزية ، ولا تعبرعن التمثيل الحقيقي للمكونات التي تمثلها ، لأنها ضمت اليها تجمعات شخصية او عائلية تنتمي الى الماضي ، وبعيدة عن النخبوية السياسية ، في الوقت الذي كان يجب ان تسير فيه الامور، لجهة بناء اجتماعي هوياتي متلاحم . فهناك بعد داخلي في كل المناطق التي تسمى شمال سورية وشرق الفرات ، بما فيها روج افاي كردستان ، يختلف عن المناطق السورية الاخرى ، وهو التعدد القومي والاثني والديني ، ما يجعلها تعيش حالة خصوصية ، لا يمكن مقارنتها بالمناطق السورية الاخرى .
بعد خمس سنوات من قيام الادارة الذاتية ، وسقوط الالاف من الشهداء من ابناء المنطقة ، لا زالت تفتقد الى الاستقرار السياسي والمدني ، وتعيش جوا من الخوف من المستقبل ، ومن خطر الاجتياح التركي الذي لا يتوانى رئيسها عن التلويح  في تنفيذ هذا الاجتياح ، كما حصل في عفرين عبر عملية غصن الزيتون ، وهو ما يجعل مجتمع روج افا وشرق الفرات ان يعيش القلق على مستقبله ، والانقسام على ذاته – حتى داخل المكون الواحد –  في ظل سيطرة  قوى مختلفة جغرافيا وعسكريا (الادارة الذاتية- النظام)  وانحياز البعض الاخر لتركيا وايران واطراف اخرى ، وهو ما يُعبّر عن عمق المأزق الذي وصلت اليه المنطقة ومكوناتها .
صحيح ان الادارة الذاتية قد حاولت ان تُعبّر عن مشروعها ( الامة الديمقراطية ) وتستميل المكونات الاخرى ، من خلال تأجيل مشروعها القومي ومناصبته اعلاميا  ،  الا ان الوقائع والممارسات على الارض تقول عكس ذلك ،  فالمكونات الغير منضوية في الادارة ، مصابة بفوبيا ” الكرد الانفصاليين “، لا بل تتقاعس وتتهرب من مسؤولياتها في محاربة الارهاب ، ودعم الامن والاستقرار،  وتراهن على العامل الاقليمي والدولي لتغيير الاوضاع ، وكيفية حضورها فيه ، لان كل ما هو قائم يشير الى هذا المشروع ، وفقدان الثقة به من قبل الاخرين ، وهو ما بات يعاني  ” تضادا ” بين ما هو معلن نظرياً وبين ما هو ممارس فعلياً ، وادى الى تعايش هش ومضطرب داخل صفوف الادارة ، بفعل القوة المرفوعة الى سلطة ، تختبئ ، خلف شعارات لا تستطيع ان تبدد الهواجس والمخاوف .هذا الواقع ادى الى غياب تشكيل حالة مستقرة وامنة ، ودفع الى زيادة التوتر ، والى حصول بعض العمليات والتفجيرات التي تشهدها المنطقة بين الفينة والاخرى ، وخاصة في شرق الفرات في اماكن التواجد العربي الكثيف ، وخاصة ممن يناصبون الكرد العداء ، ويحاولون النيل من ارادتهم وحقوقهم ، حتى وان كانت هذه الحقوق بلبوس ديمقراطي ، فمن غير المسموح لديهم ان يكون هناك كردي قوي وبيده السلطة ، والسلاح ، لان الذاكرة التاريخية لدى الانظمة والشعوب لا تستطيع ان تنظر الى الكردي الا ضعيفاً وتابعاً. 
هذا المأزق الذي وجدت  الادارة نفسها فيه لأسباب مختلفة ، وضع غالبية المكونات بما فيهم الكرد في حالة اغتراب ، وعدم توافق مع ما هو قائم ، وما يجري العمل عليه ، الامر الذي جعل هذه الادارة تابعة لحزب او مجموعة مسيطرة او حاكمة ، ينظر اليها بعين الشك والريبة ، ويناصبها  البعض العداء ، وقد ظهر هذا العداء في عدم اعترافها بالإدارة ، وموقفها من المنطقة الامنة ، ومن المسعى التركي لاجتياح  شرق الفرات ، والذي قد ينسف او يحدّ من  صلاحيات هذه الادارة ويفسح بالتالي لهم المجال للسيطرة او المشاركة في ادارة المنطقة بعد اقصاء دام سنوات.  
لقد تعقدت المشكلة الوطنية الكردية في سوريا ، وانقسمت كما اشرنا في مكان اخر بحيث يمكن ان تشهد نوع من التفكك او الانهيار او حتى الضياع ، الا اذا استفاق الكرد ، وقامت الادارة بمراجعة سياساتها واعادة هيكلتها على كافة الصعد،  ووفرت مستلزمات الاجتماع الوطني ، الذي بدونه ، لا يمكن ان تحافظ على وجودها الفعلي عبر جغرافيتها القائمة ، وان تتجاوز كل التهديدات والمخاطر التي  قد تواجهها ، وصولا الى اقليم او كيان في اطار جمهورية سوريا الاتحادية  ، و بما يعبر عن حق الكرد في تقرير مصيرهم ، وادارة شؤنهم ، بالتوافق مع المكونات الاخرى ، بحيث تصبح  روج افاي كردستان وطناً للجميع .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…