إشكاليات التاريخ كردياً – الجزء الأول

http://www.welateme.net/erebi/30/mehmud_ebas.jpgد. محمود عباس
  بلغت سويات تشويه وتحريف تاريخ جنوب غربي كردستان مراحلَ خطيره، إلى درجة أصبح يسقط فيها البعض من الباحثين الكردي في مستنقع الأخطاء، دون أن يشعروا به، علما أن تلك الأساليب هي نفسها التي تستخدمها السلطات الغاصبة لكردستان. هل من المعقول أن تخدم هذه الأساليب تاريخنا الكردي؟ بغض النظر عما أسلفنا توجد هناك شريحة من الكتاب والمؤرخين المعنيين بالشأن الكردي، لهم باع طويل في مواجهة هذا التاريخ المحرف من قبل مقتسمي كردستان.
 ولكن ما يؤسف له أن معظم المصادر المستخدمة لدى البعض من مؤرخينا هي ذاتها مصادر الغاصبين لكردستان، ولا يخفى عن القاصي والداني أن هذه المصادر تنفي حق الكرد في أرضخه التاريخية. ومن المستغرب أن هؤلاء لا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن مصادر محايدة بخصوص التاريخ الكردي في المنطقة.  
1 أعداؤنا حصروا تاريخ جنوب غربي كردستان، ضمن مجالات بقعة جغرافية ضيقة، تحدد بين مدن ثلاث، الحسكة وعاموده والقامشلي، دون أن يتم التنويه إلى أنهم يكتبون عن هذه البقعة دون غيرها من مناطق جنوب غربي كردستان، فمعظمهم يعنونون دراساتهم وكتبهم، تحت منطق جغرافية جنوب غربي كردستان أو الجزيرة كما روج لها العديد من الباحثين العروبيين، لكن البحث في النص لا تتجاوز المنطقة المذكورة، وينسى أو يتناسى كتابنا أن جغرافية جنوب غربي كردستان تمتد ما بين منطقة الكوجرا إلى حيث لواء اسكندرونه ماراً بعفرين، وهناك حيث جبل الكرد. 
2 والأغرب أن معظمهم يحددونها ضمن الفترة الزمنية الضيقة، ما بين نهاية ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925م وهي السنة التي سماها الكتاب العروبيون ومن بينهم محمد جمال باروت وغيره بسنوات الهجرة الكردية الأولى إلى سوريا، ومنتصف الثلاثينات، أي عام 1936م حيث الصراع على المقعد البرلماني بين المسيحيين والكرد والقبائل العربية الحديثة العهد في المنطقة، ويتناسون أن التاريخ الكردي هنا تمتد في العمق الماضي إلى ما قبل ظهور الغزوات العربية الإسلامية الأولى، وهذا ما حاول العروبيون بقيادة البعث سابقا واليوم تحت إدارة قطر، جعلها منطقة لعشائر عربية لا وجود لها في تاريخ هذه المنطقة، وذُكِرت مجازاً لإلغاء الصفة الكردستانية عنها.
3 يعتمون على القامات الكردية التاريخية، والتي كانت له ثقلها ومكانتها العشائرية السياسية والثقافية والتاريخية، وتغييب القيادات التي كانت لها معرفة ودور ما في العلاقات الدولية، ولهم خلفيات نضالية وثقل في الوعي والمفاهيم القومية، وجلها لإضعاف القوة الكردية في المنطقة، وتشكيل قوة مسيحية مكانها كشبه قومية موازية للقومية الكردية، أمثال القيادات الكبرى كالأميرين جلادت وكاميران بدرخان، اللذان كانا على سوية ثقافية وسياسية عالية حتى بمقاييس عصرنا الحالي، ولا نستبعد أن الأمير جلادت تم اغتياله في ظروف غامضة بحجة ردم البئر عليه، وذلك لدوره البارز في تدوير الحركة الكردية من أجل الحرية والاستقلال، وتم نفي أخيه إلى بيروت ومن ثم إلى باريس وظل هناك إلى أن وافاه الأجل . 
  فما درسونا في المدارس والمعاهد والجامعات، كان تاريخا مشوها فيما يخص جانب أمتنا الكردية، فكانت تصدر منا الآهات بين كل صفحة وأخرى، ويصيبنا الأسى والأسف ونحن نشاهد ركام التزوير والتشويه، دون أن نملك الإمكانيات، في تعديله أو تصحيحه، والأسباب كانت عديدة، معظمها كانت تتجاوز قدراتنا من حيث الكتابة ناهيكم عن الملاحقة الأمنية، ومن ثم النشر، ونحن هنا لا نتحدث عن توفر المراجع والمصادر التي كانت عليها حجر ومراقبة أمنية شديدة، وجل هذا لوجودنا تحت هيمنة سلطات دكتاتورية، المعدمة أمامنا جميع الإمكانيات في زمن الحظر الثقافي، إلى جانب حصرها في مجاري معينة وتحت مراقبة المربعات الأمنية المغروزة عيونها في كل زاوية من زوايا وطننا.
  رافقتها وساندتها العامل الذاتي، منها ضحالة الوعي المعرفي، المفروض علينا من نفس الأنظمة، أو لنقل المستأصلة فينا كل القدرات والإمكانيات، وبالتالي ورغم ظهور محاولات من قبل بعض المثقفين الكرد، كانت معظم النتائج أو الردود أو التصحيحات دون السوية العلمية لتعرية فضاحة ما نشر وما كان ينشرمن قبل مراكز بحوث القوى الإقليمية والمخصصة لها ميزانيات هائلة، وبالتالي ظهرت ردود الحراك الكردي الثقافي أمامها هزيلة أو شبه منعدمة.
 واليوم وللأسف فحتى بعدما زالت الحواجز وتنامت المدارك، وتكونت لدى شريحة واسعة من الكرد تراكم معرفي لا يستهان به، وأصبح من السهل النشر، نقرأ الكثير من صفحات تاريخنا المعاد كتابته وبأقلام كردية، أو الذي يقال أنه صحح أو تم أحيائه من بين ركام التعتيم، بهشاشة لا تقل عن التحريفات المقصودة الماضية، ونلاحظ سذاجة فاضحة ما بين صفحة وأخرى، وكتب تتبع أخرى، دون أن يتصفحها ناقد تاريخي، أو أن نقادنا لا يتناولونها لأسباب ذاتية، فالعديد ما تم كتابته حتى اللحظة ليست بأكثر من تشويهات حديثة وبلمسات كردية أضيفت على التشويهات السابقة، وبأساليب لا تقل ضحالة عن الماضي. 
  فمعظم ما يتم، ومن بينها النابع من الغموض الفكري، أو المقتصد فيه، والذي يخلق الشكوك في المصداقية الوطنية، يؤدي بنا أن نسأل: 
1 هنا نسأل ما كتب في التاريخ الكردي من قبل هؤلاء هل هي سذاجة أم تقاعس؟ 
2 أيهما التي تعكس خلفيات ماضينا وحاضرنا وضبابية مستقبلنا، وأوصلتنا إلى حدود تقديم كتابات تصل إلى حدود الطعن في الوطنية، إن كان عن وعي أو بدونه، أو لغاية، لتمجيد حدث على حساب تاريخ الأمة؟ 
3 هذه المصادر تدفعنا أن نصبح وجه لوجه أمام عروبية منطقتنا، أو في أفضل حالاتها مستعمرة للقبائل العربية، وأن الكرد كما كنا في السابق من الموالي، واليوم أو غداً أشباه الموالي.
 
   يتبع…
 الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
3-12-2018م   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…