مقالات

زيارة شي جين بينغ لواشنطن وأبعادها الدولية والإقليمية

 بروفيسور د.إسماعيل حصاف* 

   تُعد زيارة الزعيم الصيني شي جين بينغ إلى العاصمة الأمريكية محطة دبلوماسية فارقة، لكونها أول زيارة رسمية له إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من عقد. وينحدر شي جين بينغ من نخب الحزب الحاكم التاريخية، فهو ابن شي تشونغ شون، رفيق ماوتسي تونغ وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي ونائب رئيس الوزراء الأسبق. واليوم، يُعد شي الشخصية الأقوى في الصين، حيث يجمع في يديه أبرز المناصب القيادية للدولة والحزب: أمين عام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، رئيس جمهورية الصين الشعبية، ورئيس اللجنة العسكرية المركزية.

وتكتسب هذه القمة أهمية بالغة في السياسة العالمية كامتداد طبيعي للحوار المستمر بين أكبر اقتصادين في العالم، حيث تركزت المباحثات على ملفات التجارة، والقيود التكنولوجية، والتنسيق بشأن الأمن العالمي، وإدارة التنافس لتجنب الصدام المباشر. ومع ذلك، لا يمكن قراءة مخرجات هذه الزيارة باعتبارها “انفراجة جذرية” أو تحولاً نحو تحالف استراتيجي، بل هي “هدنة مؤقتة ومستقرة نسبياً” تهدف إلى خفض حدة التوتر المباشر وتجنب الخطوات الاستفزازية المتبادلة. استراتيجياً، يسعى الجانب الصيني لتقييد السياسات الأمريكية، بينما تتعامل واشنطن بمرونة تكتيكية مقابل مكاسب اقتصادية، في حين تظل القضايا الجيوسياسية الشائكة — كأمن آسيا والمحيط الهادئ وملف تايوان — مؤجلات استراتيجية طويلة الأمد. وبهذا المعنى، تدخل العلاقات الثنائية مرحلة «التنافس المُدار»، فلا هي تصل إلى حد المواجهة العسكرية المفتوحة أو الحرب الباردة الكلاسيكية، ولا هي ترتقي إلى مستوى الشراكة والاندماج الاقتصادي التام. وعليه، تظل المواجهة بين واشنطن وبكين المحور الأساسي للجيوسياسات العالمية في القرن الحادي والعشرين، بوصفها صراعاً بنيوياً وعميقاً على قيادة النظام العالمي يتجاوز مجرد الخلافات التجارية المؤقتة.

  وفي قراءة لتداعيات هذا المشهد، تتسم تقييمات الخبراء والمحللين السياسيين الروس (من أمثال باحثي معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، والمجلس الروسي للشؤون الدولية، والمدرسة العليا للاقتصاد) بطابع منهجي دقيق، حيث يجمعون على أن العلاقات الأمريكية- الصينية قد تجاوزت نقطة اللاعودة. ويرى الخبراء الروس أن المنافسة تتجاوز حدود إدارة أمريكية بعينها لتكون صراعاً على زعامة النظام العالمي، حيث تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على هيمنتها واحتكارها المالي (الدولار) وشبكة تحالفاتها، بينما تطمح الصين إلى مركز متكافئ في عالم متعدد الأقطاب وتطوير قدراتها الشاملة. ونتيجة لذلك، يعتقد الخبراء أن محاولات واشنطن للتهدئة ليست سوى مناورات تكتيكية، لأن الولايات المتحدة لا تزال ترى في الصعود الصيني التهديد الأكبر لهيمنتها. ويرى غالبية المحللين الروس أن هذا التوتر يخدم مصالح موسكو الاستراتيجية جزئياً؛ فانشغال واشنطن بآسيا يخفف الضغط عنها في أوروبا، وكلما اشتدت الضغوط الأمريكية على بكين تقتربت الأخيرة أكثر من موسكو. وفي المقابل، يخشى بعض المحللين من إمكانية وصول واشنطن وبكين إلى تفاهمات لتقاسم النفوذ تهمش الدور الروسي، مما يجعل استراتيجية موسكو قائمة على توطيد الشراكة مع الصين مع الحفاظ على مكانتها كقطب ثالث مستقل.

وعلى الصعيد الإقليمي، تنعكس أي تهدئة أو تفاهمات جانبية بين القوتين الكبريين على منطقة الخليج والشرق الأوسط عبر تخفيف حدة الاستقطاب الثنائي، مما يتيح لدول المنطقة مواصلة تنويع شراكاتها الاقتصادية وضمان استقرار إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية، إذ تعتمد الصين على نفط المنطقة، بينما توفر الولايات المتحدة المظلة الأمنية التقليدية. علاوة على ذلك، يدرك الجانبان أن أزمات غرب آسيا والشرق الأوسط — وفي مقدمتها الملف الإيراني — تشكل نقاط احتكاك ساخنة قادرة على تفجير توترات عالمية. ولذلك، تهدف اللقاءات رفيعة المستوى إلى صياغة قواعد ومبادئ مشتركة تحول دون تحول الدعم الاقتصادي والتقني الصيني لإيران إلى ذريعة لمواجهة عسكرية أمريكية صينية كبرى.

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر (مختص بالقضية الكردية) 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments

مقالات أخرى للكاتب: الكاتب