الكورد و التغيير الديموغرافي

الأمازيغي: يوسف بويحيى
تعرض الشعب الكوردي عبر التاريخ إلى شتى الوسائل و العمليات الإستعمارية من اجل السيطرة عليه و إحتلال ذاته و عقله و أرضه ،بداية بالعنف المادي و الرمزي إلى سياسة الإبتلاع المتمثلة في التعريب و التتريك و التفريس الممنهجة من طرف الأنظمة الغاصبة الثلاث لكوردستان الكبرى.
أسباب هذا الجور و الظلم في حق الكورد عدة من بينها أنهم اصحاب قضية و وطن و تاريخ و حقيقة ،اخرى إقتصادية بٱعتبار كوردستان الكبرى أغنى وطن في المنطقة ،لكن الرئيسية منها بشكل واضح بالإعتماد على تحليل ممارسات الأنظمة الغاصبة على الإنسان الكوردي تبقى قومية صرفة لا غبار عليها ،على الرغم من أن السياسات و الأنظمة و الأوجه تتغير إلا ان النظرة و العقلية الحاكمة لا تتغير في رؤيتها للإنسان الكوردي.
الإنسان الكوردي مهما كان فكره و دينه و لكنته يبقى مستهدفا من الأنظمة الإستعمارية التي ترى فيه عدوا أبديا يجب ان يزال بأي طريقة كانت ،الشيوعي و الليبرالي و المحافظ هو كوردي بغض النظر على وعيه بذاته ،لهذا فعلى كل الأحوال هو في مرمى حجر عاجلا أم آجلا من الأنظمة الغاصبة لكوردستان ،والتجارب التاريخية و القائمة شاهدة على كيف كان الأعداء يقتلون المعارضين الكورد و يتخلصون بعدها من العملاء و المرتزقة.
أثبت التاريخ بأن العنف و القمع و الإستيلاب لم ينل من إرادة الكورد و وجوده على الرغم من بشاعة الممارسات و الأعمال اللاإنسانية و اللاأخلاقية في حقه ،ليتخد العدوان سياسة جديدة أكثر خطورة مما كانت عليه ،تكمن في “التغيير الديموغرافي” لتفريغ كوردستان من شعبها و توطين قوميات أخرى مكانه كالعرب و التركمان و الفرس.
التغيير الديموغرافي سياسة إستعمارية محضة الغرض منها ليس فقط إبادة الكورد بل محو كوردستان من الخريطة و الوجود شيئا فشيئا مع الوقت ،بالضبط كما حدث منذ بداية الغزو الإسلامي في الشرق الأوسط إلى الآن ،منه فقدت بعض المناطق هويتها الأصلية كالعراق و سوريا علما أنهما لم تكونا عربيتين أبدا إلا بعد الغزو العربي الإسلامي للشرق الأوسط بفعل الإبادة و القتل و التغيير الديموغرافي و التوطين.
صناعة “داعش” الإرهابية كان لها هدف واضح ملموس في إبادة الشعب الكوردي من أرضه و مناطقه ،آخرها كان بزي رسمي على يد تركيا الفاشستية في منطقة “عفرين” ،لكن السؤال الذي يعيد نفسه لمئة سنة من الزمن هو كيف يمكن للشعب الكوردي أن يتعامل مع هذا النوع من الخطورة التي تسعى إلى إقتلاع تاريخه من الجذور؟؟.
قلت الشعب الكوردي و لم أقل طرف معين بالضبط ،لأن الكوردي سواء كان سياسيا أو مثقفا او حقوقيا او فلاحا أو عاملا او مهاجرا يبقى مسؤولا أمام قضية الوطن و التاريخ و الوجود ،فعلى المثقف و المفكر أن يجتهد أكثر في التنقيب على الأسباب التي تؤدي بالحركة الكوردية إلى الطريق المسدود و الآفات التي لن ينكر أحد بأنها نتيجة جهل و قلة معرفة و ضيق رؤية ،لهذا يجب العمل على توعية الشعب بطرق تراتبية حسب قدرة الفهم و عقلية كل طبقة إجتماعية معينة ،فالمثقف يبقى ذلك الإنسان المتاح لكل شريحة إجتماعية كيفما كانت قدرتها العقلية و المفاهيمية.
كما يجب على السياسي الأخد و العمل وفق الدراسات و الحلول الأكاديمية التي ينتجها المفكر و المثقف الوطني ،معتمدا بذلك على نظريات و أفكار علمية ملموسة و واقعية بعيدا عن البراغماتية و الشخصنة و الأنانية و التسلط ،مع تسخير العمل السياسي من أجل خدمة القضية و الوطن و الشعب و المصلحة العامة ،وضرب الصراعات السياسية الأفقية بعرض الحائط كونها صراعات مصطنعة من طرف الأعداء ،علما أن من تهمه القضية و الوطن و الإستقلال لن ينجر ابدا إلى هذا النوع من الصراع و الخلاف.
الإختلاف في الرؤية حتمية كونية قبل ان تكون سياسية و فكرية…،لهذا فالإيمان بالقضية و الوطن و الذات يدخل من باب الفطرة الإنسانية ،منه نستخلص أن مسألة الصراع الكوردي القائم بخصوص القضية و الوطن أمر بعيد عن ممارسة الإختلاف المشروع ،بل خلاف لا يقبل القسمة على نصفين من حيث المنطق و العقل ،بمعنى أن طرف النضال من أجل الإستقلال الحر هو الجذير بقيادة الأمة و الحركة الكوردية.
إن من أهم أهداف النضال و المقاومة و دواعيها الحفاظ على الأرض و شعبها و رموزها التاريخية، ذلك لحماية كوردستان من الزوال و الإستنزاف الذي تتعرض له بفعل السياسات الإقليمية و الدولية ،لهذا فأمانة “عفرين” تتطلب من الساسة الكورد بعد أن خسروا معركة الأرض التوحد بمختلف أحزابهم و توجهاتهم لإعادة الشعب إلى المنطقة و إفشال المخطط التركي الساعي إلى توطين العرب فيها.
إن كانت القضية الكوردية حقا تهم الأحزاب في روجاڤا فليطرحوا حوارا جادا على الطاولة دون إقحام الإديولوجيات و المشاريع الحزبية لمساعدة النازحين الذين هم أصلا ليسوا محزبين و لا مؤدلجين ،حيث أن تقارب القوى السياسية بخصوص قضية أهل عفرين مبادرة مهمة من أجل تكوين خطاب قوي للضغط على المجتمع الدولي و هيئة الأمم المتحدة و الحلفاء الدوليين لعودة الأهالي إلى مناطقهم في ظل الحصار الذي تفرضه تركيا و عصابات المعارضة السورية ،مسألة التوحد في الظرفية الحالية مسألة إنسانية و أخلاقية و وطنية قبل ان تكون سياسية و حزبية من أجل حماية ما تبقى من الشعب الكوردي في عفرين و لوقف مخطط التغيير الديموغرافي.
إنه من الضروري على حركة المجتمع الديموقراطي و المجلس الوطني الكوردي أن يوقفوا صراعهم الحزبي و الفكري إلى أن يتم إعادة أهل عفرين إلى بيوتهم ،مع العلم أن كل من يتهرب من الحوار و التقارب الكوردي_الكوردي فإنه يعمل على إنجاح المشروع التركي ،ومنه فليتحمل المسؤولية التاريخية أمام ما يحصل في عفرين من إبادة و تغيير ديموغرافي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…