الاستعانة بفلسفة باقي الكائنات

ماجد ع  محمد
“الأغبياء هم الذين لا يتعلمون من أخطائهم ، الأغبياء 
لا يغيرون آرائهم، أما الأذكياء فينتقون أفضل الحلول”
فهد عامر الأحمدي
تتناقل وسائل الإعلام المعنية بما يجري في سورية، منذ يومين، أخبار التهديدات التركية الأخيرة بخصوص شرق الفرات، وجاء في سياق الأنباء أنّ القوات الأمريكية انسحبت بشكلٍ كامل من قرية المنبطح غربي مدينة تل أبيض، التي تسيطر عليها وحدات الحماية الشعبية، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD، وأزالت العلم الأمريكي من المنطقة، دون معرفة أسباب ذلك،
 ولمن يتابع الأحداث الخاصة بالمناطق الكردية سيعرف بأنها نفس الخطوات التي قامت بها القوات الروسية قبيل الهجوم التركي على منطقة عفرين في الشهر الثاني من العام الجاري، إذ قبل بدء الهجوم على المنطقة انسحبت القوات الروسية الموجودة في نقطة كفرجنة إلى داخل مناطق سيطرة النظام السوري، وكانت تلك الخطوة الروسية بمثابة ضوء أخضر روسي لتركيا، ورسالة تفيد بأنه صار بمقدور تركيا قصف المنطقة والهجوم عليها بعد انسحاب الجنود الروس من نقطتهم العسكرية في عفرين؟!
وحيال الاحتمال الكبير لتكرار نفس الخطوات الخرقاء من قبل قيادة حزب PYD، ذكرتني الوقائع ببعض ما ورد في دراسةٍ للباحث اللاهوتي مسعود دالبوداك والمسماة “رحلة العقل الكردي” وذلك في إشارته إلى أن غلبة العقل الاعتقادي لدى الكردي على العقل المنطقي لديه هو السبب الرئيسي لسقوطه مرةً تلو الأخرى في مسيرته المتعثرة، فالكردي حسب دالبوداك، لا يتعلم من دروسه السابقة إلاّ نادراً؛ ولكن المشكلة في إشارة دالوبداك هي في تركيزه على الناحية الدينية والتأثير السلبي للعقل الديني عليه فحسب، بينما نرى بأن العقيدة السياسية إن تجسدت على شكل الوثن، فلا يقل ضررها عن الاعتقاد الديني المتطرف في كل جوانبه، ومثالنا على ذلك أن سطوة العقلية الأوجلانية وتأثيرات تلك الفلسفة السياسية لم تكن أقل خطورة على الكرد من سطوة العقيدة الدينية منذ اختلاقها.
وبما أن فلسفة زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، لم تكن إلاَّ وبالاً على الكرد منذ إيجادها، فلا بأس بتغيير المنهل الفلسفي إذا ما كان الهدف منه الإنقاذ والخلاص، وبخصوص ترك تلك الفلسفة البشرية واللجوء إلى فلسفة ذوي القوائم والقوادم، فسبق ولمّح الكاتب “زاغروس آمدي” بأن البهائم إذا ما شعرت بأنها غير قادرة على التغلب على خصومها تتحاشى الصدام معهم أو على الأقل تتحايل للتهرب من المواجهة المباشرة مع أولئك الخصوم أو المعتدين؛ بينما بعض المغرورين من ساسة مجتمعنا فهم مستمرون في دفع خيرة الشباب الكردي باتجاه معارك يعرفون سلفاً بأنها غير مجدية؛ لذا نقول فيا حبذا لو عوّلوا على فلسفات البهائم، طالما أنهم لم يستفيدوا من فلسفتهم السياسية طوال السنوات الماضية.
ولا ريب أن الضعيف المقر بضعفه وهزاله لا يُعاتَب إن لم يقدر على صد غارة أو قطع دابر فتنةٍ مدمرة، أو إيقاف غازٍ أو منع وقوع الضررِ بالأنفس أو بالمال والممتلكات المنقولة أو غير المنقولة؛ حيث ما تزال مقولة اعرف حجمك قاعدة حياتية جوهرية في الحياة العسكرية والسياسية والاقتصادية، لأن في عدم معرفة المرء لحجمه وقدراته، يكون حينها عرضة للهلاك في أي صراعٍ بين القوى الكبرى التي يلعب معها، وهو الصغير الذي لا قدرة له على التأثير على أي قطبٍ من الاقطاب المتصارعة التي احتاجت لاعباً احتياطياً مثله في ظرفٍ ما، إلاّ أنه بناءً على استخدامه المؤقت يأخذ به الزهو والتكبر، فيظن في لحظة الطوسنة العقائدية بأنه غدا لاعباً كبيراً ولا بد للأقطاب الكبرى من الحاجة إليه؛ علماً أن الإنخداع والوهم هو ما أرداه الى هذا التصور المخالف لحقيقة ما هو عليه، وكمثالٍ قريب: فمثلما تخلى منذ بضعة أشهر الروس والإيرانيين عن PYD في عفرين لصالح اللاعب الأكبر في المنطقة، ألا وهو اللاعب التركي، فمن السهولة بمكان إعادة الكرة من جديد، ويتم التخلي هذه المرة عن PYD من قبل الأمريكان لصالح تركيا في بعض أو كل المناطق التي يسيطر عليها الحزب المذكور شرق الفرات.
كما بات جلياً أن من البديهيات المساوماتية في عالم السياسة القائمة على دعائم الاقتصاد، التضحية بالتجار الصغار أمام دهاقنة المال، ومعلوم أن الأسماك الصغيرة معرضة دائمة للنهش من قبل الحيتان الكبيرة، ولكن المصيبة هي ليست فيمن يحب أن يرى نفسه منهوشاً، إنما فيمن لا يعرف حجمه قط ومع ذلك يورط الآلاف معه في لعبته مع الكبار، مدّعياً البطولة الكاذبة من دون أن يعي خطورة ما يقترفه بحق شعبٍ بأكمله.
عموماً قد يكون العنوان أعلاهُ موضع استهجانٍ لدى الكثير من الأوادم الذين يرون أنفسهم أولى باتباع القائد البشري وليس ذلك المنتمي للكائنات الأخرى، ولكن ماذا لو كان الخلاص، خلاص الفردِ أو خلاص مجتمعٍ بأكمله أضمن إن اتبعوا الغريزة الحيوانية المنقذة؟ وذلك بدلاً من الانسياق العمائي خلف أنفارٍ مغرورين مخدوعين بذواتهم منذ أن احتكروا قرار فصيلٍ بشري بالسطوة العسكرية وكلاليب العقيدة، فيسوقون المنقادين من فيالق المريدين خلفهم، وعامة الكرد من ورائهم، من حفرةٍ إلى حفرةٍ أخرى أعمق منها، ليس من فترة شهر أو عام أو عقد من الزمان، إنما ومنذ أزيد عن ثلاثة عقود. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…