الكردي بين الحَسَد واللّعنة

ماجد ع  محمد 
إذا لم تخنّي الذاكرة كان الحدث في عام 2006، يوم توجهنا صوب بلدة ميدانكي التابعة لمنطقة عفرين، حيث بجانب بحيرتها قد وضِع المسرح، وعقدت الحلقات، وبدأ الحفل الخطابي ومن ثم الفني بمناسبة يوم الصحافة، وكان ثمة ضيوف برفقة الكاتب والفنان عبدو خليل قد حضروا معنا تلك المناسبة، منهم قيادي في حزب الشعب الديمقراطي، فعندما رأى ذلك القيادي الحشد المنظم في تلك المناسبة، عبّر إذاك عن إندهاشه من الجمهور الغفير، ومن قدرة الحزب الكردي القيام بإحياء ذلك الحفل في ذلك الظرف، وكيف جَمَعَ كل أولئك المواطنين في ذلك الموقع، متمنياً حينها لو أن لحزبه أو للأحزاب اليسارية المماثلة هكذا قاعدة جماهيرية غفيرة حتى يقوموا بما لم تقم به التنظيمات السياسية في سورية من قبل. 
كما أنه قبل تلك المناسبة بفترة لا بأس بها، أذكر أيضاً وقائع أخرى تصب في نفس المنحى الذي نحن بصدده، وخاصةً في مدينة حلب التي كنا من سكانها حينذاك، فكنت ألاحظ بأن أنشطة الأحزاب الماركسية في الأحياء الشعبية التي يقطنها الكرد في المدينة أكثر عشرات المرات من باقي أحياء مدينة حلب، حيث كانت القاعدة الشعبية لتلك الأحزاب في تلك الأحياء الشعبية، بينما كانت القيادة من سكنة أحياء أخرى بالمدينة، قادة أكاد أجزم بأن كل كوادرهم الحزبية لو اجتمعوا لما كان بمقدورهم تجميع 50 شخص من أقربائهم أو من سكان الأحياء التي يقطنونها، هذا لو استخدموا كل نفوذهم وطاقتهم السياسية والخطابية؛ ولكن لما يتعب الواحد منهم نفسه أصلاً طالما أن بجواره مجتمع كردي جاهز لأن يكون قاعدة لحزبه ببضعة شعارات ديماغوجية يدغدغ بها مشاعر الكرد البسطاء، حيث يقوم بضخ بعض المديح المجاني في أناهم الساذجة، معبّراً خلال التقريظِ عن حسده الظاهر من المجتمع الكردي المنشغل بالقضايا العامة وفي مقدمتها قضايا السياسة والثقافة بأعداد غفيرة، مقارنةً بالحضور الضئيل جداً لباقي فئات المجتمع في المدينة، وذلك بما أن المجتمع الكردي وبسبب جوعه الواضح للمشاعر القومية كان مجتمعاً شبه جاهز للتحرك والتفاعل رغبةً منه لإشباع تلك الجوانب التي يعاني منها بأي طريقة كانت، ومع أنه في الوقت الذي كان بالإمكان تحشيد الجماهير الكردية في أية مناسبة كما أسلفنا، ومع أن قيادات الكثير من الأحزاب السورية الأخرى لم تكن قادرة حينها على تجميع جمهور على مستوى عرس صغير، ولكن مع كل ذلك كان الكردي رغم تفاعله وجاهزيته واستنفاره وتطوعه وتجاوبه مع المناسبات الوطنية والأممية والعالمية دائما من الخاسرين.  
وذلك طالما أن النظام أو من ينوب عنه ممن تشرب بثقافة حزب البعث العربي الاشتراكي قادر في أية لحظة على أن يؤلب الشارع العربي برمته ضد الكرد متى ما أراد ذلك، وفي هذا الخصوص فقد بيّن الكاتب ميشيل سورا في كتابه (سورية ـ الدولة المتوحشة) كيف استغل نظام البعث تباينات المجتمع السوري واختلافاته بمهارة وجيرها لصالحه، وكيف لعب على الثنائيات في وقت واحد دون أن يسمح لأي طرف فرصة السيطرة على الطرف الآخر؛ مشيراً إلى قدرة النظام الفائقة في اللعب على تلك المتناقضات وضرب السوريين بعضهم بعضا متى ما رغب، وذلك لجاهزية المجتمع السوري الخضوعَ لكل ما كان يرسمه ويخطط له النظام، وبالتالي وقوع السوريين بيسر في شباك الدولة وأحابيلها ومخططاتها، حيث أن هذه السلاسة في السوق والانقياد الجماهيري دليل على أن هذا المجتمع لا إرادة له، ومن السهل جداً استغلاله وتحريضه ومن ثم توظيفه على أكمل وجه وتوجيهه إلى الجهة التي يريدها السلطان أو من كان في حكمه، طالما أن تلك التباينات المجتمعية يلعب عليها النظام بحذاقة كل فترة زمنية، أو من كان بديلاً عنه أو حتى مَن كان مِن جيرانه، بما أن الفئات السورية على اختلاف انتماءاتها الدينية أو القومية أو المذهبية أو على اختلاف مشاربها الثقافية أو السياسية لا قدرة لديها على الانتباه لأحابيل النظام أو تجنبها، وكيف أنه بمستطاع النظام أو من كان في مقامه جعل المجتمع برمته ضحية فخاخه عبر استغلال الفروقات المجتمعية، وهو ما يعني بأن تلك العلة الرئيسية كامنة في وعي هذا المجتمع نفسه بغض النظر عن الموقف من النظام الفالح في قمع السوريين ككل أو ضربهم ببعضهم، ومنه على سبيل الذكر وليس الحصر، فالكثير من هؤلاء الذين اقتحموا منطقة عفرين بأمرة الجيش التركي تحت ذريعة محاربة الكرد الانفصاليين في ربيع 2018، كانوا قد حاربوا الكرد الانفصاليين في قامشلو عام 2004 بأمرة وقيادة بشار حافظ الأسد!.
لذا فبالنسبة إلى الذي جرى في الآونة الأخيرة في كانتون الجزيرة السورية وكيف استطاع النظام خلال أيام معدودة أن يحشد ويؤلب المسيحيين ضد الإدارة الذاتية، فعلى خاقاناتها أن تعي مواقعها وظروفها وأحجامها ولا تبالغ في غرورها من وراء بضعة صناديق من السلاح المودع بين أيديهم من قِبل المستثمر الأمريكي، لأن الدول العظمى أو  حتى الصغرى لديها القدرة الفائقة على بيع الكرد للأنظمة خلال ساعات قليلة، وكمثالين قريبين جداً، نذكِّر قادة تلك الإدارة إن كانوا قد تناسوا ما فعلته روسيا مع حزب الاتحاد الديمقراطي منذ شهور قليلة في عفرين، وكيف أن الروس سحبوا نقطتهم العسكرية في موقع  كفرجنة خلال بضع ساعات وقالوا لقادة القوات التركية تفضلوا واجتاحوا عفرين فهي طوع صواريخكم وطائراتكم، وقبلها كيف أعطى الأمريكان الضوء الأخضر للحشد الشعبي وأزلام طهران باقتحام مدينة كركوك؛ وبالتالي أن عليهم الإدراك جيداً بأنهم يقيمون في جغرافية ملعونة عبر التاريخ، وأنهم أضعف حلقة في كل سورية، رغم الدماء المجانية التي يريقونها كرمى هذه الجهة أو تلك، ورغم الهالة المرسومة حولهم عبر الإعلام المنافق، حيث بمقدور النظام السوري أن يتفق خلال سويعات قليلة مع الأمريكان أو مع تركيا لإزالة الإدارة الذاتية عن بكرة أبيها كما حدث في مقاطعة عفرين بالضبط.
في الختام وبعيداً عن سرد التواريخ والأحداث التي ملها القراء، ولمعاينة طوق اللعنة المحيق بالكردي السوري في كل زمانٍ ومكان، ولمعرفة حالته عن قرب، ما يعيشه ويعانيه، يطيب لنا أن نورد مقطعين من قصيدةٍ للشاعرة والفنانة التشكيلية بسمة شيخو، لعل الوارد في المقطعين يُلخصان حقيقة الكردي كما هو على أرض الواقع، حيث تقول الشاعرة:”ما إن تقول إنك كردي، حتى ينمو جبل علي ظهرك، قدر الكردي أن يحمل قمة من كردستان ويكمل بها حياته” فهنا يكون الكردي متلبساً اللعنة السيزيفية بحذافيرها، ثم تضيف الشاعرة في مقطع آخر من القصيدة نفسها “يصيح الكون من وجعك، أنت كردي، أنت عدو الجميع، فلترضع حليب القمر، ولتأكل من تراب النجم، فليس لك في الأرض نصيب”. 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

دمشق – ولاتي مه – استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الثلاثاء، وفدا من المجلس الوطني الكردي في العاصمة دمشق، برئاسة محمد اسماعيل، حيث جرى بحث عدد من القضايا السياسية والوطنية، وسبل تعزيز الحوار بين مختلف المكونات السورية. وخلال اللقاء، أكد الرئيس أحمد الشرع التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين الأكراد ضمن الإطار الدستوري. بدوره، ثمن الوفد المرسوم الرئاسي رقم /13/…

ادريس عمر لنعود قليلاً الى الوراء ولنتذكر سياسة حفر الخنادق التي انتهجها حزب العمال الكردستاني في مناطق كرد تركيا التي أدت إلى نتائج كارثية، كان ضحيتها آلاف الشباب الأكراد، فضلاً عن الدمار الواسع الذي لحق بالمدن والبنية المجتمعية هناك. وقد أقرّ القيادي في العمال الكردستاني مراد قره يلان لاحقاً بفشل هذه التجربة واعتبرها خطأً استراتيجياً. غير…

نورالدين عمر ​تقف جميع القوى السياسية الكردية، في مختلف أجزاء كردستان، صفاً واحداً إلى جانب “روجافا” في هذه المرحلة المصيرية؛ إدراكاً منها لحجم التحديات والمخاطر التي تستهدف الوجود الكردي برمته. ولم يصدر عن أي قيادة سياسية كردية مسؤولة، في أي جزء من كردستان، اتهام أو تشكيك بقيادات قوات سوريا الديمقراطية أو بالإدارة الذاتية، بل على العكس تماماً، هناك إجماع…

سوسن ديكو ما جرى في تجربة الإدارة الذاتية لا يمكن توصيفه بوصفه فشلًا مجتمعيًا، بل إخفاقًا سياسيًا وإداريًا تتحمّل مسؤوليته القيادات التي صاغت السياسات واتخذت القرارات، لا القوى العسكرية ولا الموظفون ولا الفئات التنفيذية ذات الصلاحيات المحدودة. ففي كل تجارب الحكم، تُقاس المسؤولية بموقع القرار لا بموقع التنفيذ، وأي محاولة لنقل تبعات الفشل إلى الحرس أو الجنود أو العاملين في…