شكراً لحروبهم، شكراً لحروبنا

 ابراهيم محمود
شكراً لحروبهم التي علَّمتنا ما لم نعلم، وإذ علَّمتنا ما لم نعلم، علَّمتنا كيّف نعلّم أعداءنا الطرقَ التي تعلّمهم كيف نفكّر في بعضنا بعضاً ككرد، كيف نفتح لهم شبابيك قلوبنا، وأبواب عقولنا ليلهوا بنا زمناً وبعضاً من الزمن الإضافي، ونحن مشغولون ببعضنا بعضاً، وشكراً لحروبنا التي لم تعلّمنا ما يجب أن نعلم، وإذ لم تعلّمنا بما يجب أن نعلَم، فقد تعلَّم أعداؤنا في خمسة أيام فقط، ما نعجز عن تعلُّمه في خمسة آلاف عام، فنهرب إليهم كرهاً لأنفسنا، ويهربون إلينا لنسّيدهم علينا.
شكراً لحروبهم وهي تشغلنا بها في أكثر أوقاتنا اتصافاً بالهدوء، كما لو أننا لا نحسن العيش إلا أن يعبروا حدودنا التي تفصل بين نفوسنا ونفوسنا، ما بين أوردتنا وشراييننا، ما بين بياض أعيننا وسوادها، أن نتلمسهم في مائنا وطعامنا وسكننا ونومنا ولعبنا ذي التوتر العالي، وشكراً لحروبنا التي بالكاد تشغل أعداءنا حتى وهم في حرب علينا، إذ ما أكثر ما حفَّزنا فيهم إرادة الاقتصاد في المناوشة، إذ تكفي الكرد شرارة صغيرة منهم، لنعلِمهم أننا معَدّون لأن نتشابك لنكون فرجتهم، فيلعبون الورق أو ترداد الأغاني العاطفية، والتغزل الرخيص بنسائنا، والسخرية من علامة الذكورة فينا، والاستغراب المستمر من الطينة التي عجنتنا وجبلتنا، ونحن ننصهر في تنور رغباتهم واستهواءاتهم.
شكراً لحروبهم التي وسَّعت مداركنا الكردية لنحاط بها علماً على علم، منذ الحرب الأولى لهم وهي تستهدف فينا ما يؤلّبنا على ذاكرتنا وحدود مشاعرنا وآفاق تصوراتنا، وحبّنا الشديد الخصوصية، ويحفّز فينا كيفية التهليل لهم، وتسليمنا رقابنا لهم منحنية، وشكراً لحروبنا التي منحتنا العزيمة تلو الأخرى لكي نهب أعداءنا أسرار قوانا الخفية، أن نفتح للياليهم المدلهمة مسارح نهاراتنا، ونترك شجرنا الجبلي في مرمى شهوات رملهم وأسنانهم الطاحنة، ونثني عليهم وهم يبرمجون فينا عواطفنا وخطواتنا وطبيعة أحلامنا، وحركة الهواء في سهولنا وعلى ذرى جبالنا، وهم يقصقصون ظلالنا .
شكراً لحروبهم التي علَّمتنا في زمن قياسي كيف نتذوق مرارة الغريب وكلنا مديح له، أن نكتب في شوكهم ما يسرّبهم إلى داخلنا، ليحتل حتى منافذ مساماتنا، وتنوء تحت وطأء دبقه قاماتنا، كلنا إعجاب بضروب تماديهم في رش ملحهم الكاوي في دمائنا لننشغل أكثر بوجيب قلوبنا، وهم يستمرئون مقدساتنا أمام أعيننا، وشكراً لحروبنا التي علَّمتنا كيف نبتهل لإله غريب علينا كيف يخلّصنا مما يثقِل علينا من أحمال أجدادنا، وننشد كباراً وصغاراً ما يبقيهم أئمة مصائرنا، وهم ينتشرون بين شهيقنا وزفيرنا، طرفة عين وأخرى، هم يزيدوننا علماً بما نحب باسمهم، ونكره باسمهم ليل نهارنا .
شكراً لحروبهم التي علَّمتنا كثيراً أنها ليست حروباً وهي لا تنقطع عن إبقائنا طوع أمرهم، سعداء بقطافهم لنجومنا، فلا يعود لنا من حاجة إلى عينين ترياننا ما نريد، لنعيش حلم نهار مؤجَّل باستمرار، ووعداً بعمر عصي على الظهور، ليكونوا هم أعيننا التي بها نبصر، وآذاننا التي بها نسمع، ووجداناتنا التي نفصل بها بين الخير والشر في أنفسنا، بقدْر ما علَّمتنا أن نزداد جهلاً، لنتلقى المزيد من المدد منهم، لننال غفرانهم، وشكراً لحروبنا التي تزيد في تطفلنا على خارجنا، وقد ازددنا علماً بجهلنا، وجهلاً بما نكونه في عين اليقين، فنحّكم لسانهم الحاد في رقابنا، ولجامهم المسنن في أرواحنا، ونحن نعيب بعضنا بعضاً، أكثر مما نتعلّم من ” حكمة ” سياطهم التي تجلّد آلهتنا الخاصة، وأمانينا الخاصة بنا .
شكراً لحروبهم التي لا تكف عن تعليمنا ما تعتبره حماية لأنفسنا من أنفسنا، ومن وصْل يسرانا بيمنانا لنكون أهدأ بهم، لنكون أسرع في تسليمهم أحلامنا بيدين مشدودتين تصلحان لأحمالهم الثقيلة، تعلّمنا كيف نقدّر المسافات بأنوفنا، وقد أفقِدنا القدرة على رؤية الجهات، وتلك ضريبة أولى لهذه الثقة المطلقة، وشكراً لحروبنا التي لا تكف عن تعليمنا ما تعتبُره من جهتها حماية لأعدائنا، لنبقى أهل الكرامات، جديرين بمدائح الأعداء فينا وهم يغرفون نزواتهم في أعمارنا، وتلك مشيئة الأخوَّة الكردية الطابع، لنكون مضرب المثل بين العدو والعدو والعدو وتعزيزاً للمزيد من الحروب فينا .
شكراً لحروبهم التي تعلّمنا كل أنواع الحروب، ونحن مادتها وعدَّتها، حرباً تلي أخرى، وقتلاً فينا يتلو آخر، وليس ينقصنا في هذه الحروب المستمرة إلا المزيد منها، وقد أُدمنّا على بارودهم ونهشهم في خطواتنا وأوقاتنا ومضاجعنا، وشكراً لحروبنا التي تعلّمنا كيف نضطرد في تكريم أعدائنا وهم يتغذون على بلاهتنا وسوء تقديرنا لما كان وما سيكون، تعلّمنا كيف ننتقل من جهل إلى جهل حباً في الاتصال بأعدائنا ليأخذوا علماً عن أننا لن نتعلم أبداً ليخيّموا في صدورنا .
شكراً لحروبهم التي تعلّمنا كيف ننسخ حروبهم فينا، ونشعِل حروبنا من صقيع حروبهم، ونلبِسهم غنانا، ويغنيهم انتقالنا الأبدي حتى اللحظة من فقر إلى فقر، وشكراً لحروبنا التي تبقينا جوعى للحوم بعضنا بعضاً والمشرفون على ذبح ما يلزم فينا هم أنفسهم أولو أمر حروبهم، حروبنا التي تعلّمنا أن نعزّز حرابهم لتتشعب باضطراد في ضلوعنا، ونحن نأبى التعلم إلا بلغتهم، ولغتهم لا تعلّمنا إلا ما ينسينا لغتَنا، ويدفع بنا لأن نرتمي في أشراك غرائزهم المنصوبة لكل ذي قيمة فينا.
دهوك- في 5-2/ 2018 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…