جورج كتن ..شكراً

عمر كوجري

    كمشتغل في الحقل الثقافي ، يرغب أن يحيا أبناء الحياة جميعاً تحت شمس تشرق للجميع وتنفتح على فضاءات الرؤى الفسيحة ، والرغبة في التقاط زوايا الجمال من كل لوحات الإنسان منذ شروده في قيافي المعرفة إلى آخر صيحات العلم .
كمثقف كردي يعي أن التعصب يصل بصاحبه إلى بهيم الليل ، أزعم أن فلسطين بحضورها المكثف في ساحة التداول كردياً كانت ولاتزال تحت فسحة لائقة ليس في قلبي بل في وجدان عموم أبناء الشعب الكردي ، وفي هذه الساحة على وجه التحديد .

والكرد في انحيازهم للموضوع الفلسطيني لم يحملوا هماَ ليشهروا ورقة في وجهها مفادها : نحن نمن عليها ، ولنا في رقبتها فضل هذا الانحياز ، بل عاشت فلسطين في وجداننا وكياننا ردحاً طويلاً من الزمن ، حملناها على ظهورنا ، ودفعنا فاتورة الأخوة الفلسطينية – الكردية دماء شهدائنا على روابيها، ويضيق المجال عن ذكر الكثير من الكرد الذين انخرطوا في صفوف التنظيمات الفلسطينية ، ورغم أن وشائج قد ارتخت في وقت عصيب على الكرد ، حيث كانوا أحوج ما يكونون إلى مناصرة إخوتهم في النضال والجرح .

فقد انشطرت قلوبهم وانفطرت وهم يسدون آذانهم لكيلا يسمعوا ضجيج  القبلات وهي تنهال على خد صدام حسين تهنئه “بنصره المبين على الكرد في حلبجة” الشهيدة .
لكن بالمقابل لم يوفر العديد من مثقفي فلسطين جهداً في مناصرة الكرد ، ودعمهم معنوياً والتحيز لصالح حقوقهم المشروعة ومطالبهم الممكنة .

وعندما أخصص اسماً من مستوى وقامة الأستاذ القدير “جورج كتن ” لايعني هذا أنني أمغط دور المثقفين الآخرين ، وهل ينسى الكرد شاعر فلسطين العظيم محمود درويش الذي تغنى بالكرد في العديد من نصوصه الشعرية “مأساة النرجس – ملهاة الفضة – بيروت – ليس للكردي إلا الريح ..الخ ..”
على الصعيد الشخصي لا أعرف الأستاذ”كتن” ولم التقِِ به ، بيد أنه بلا شك اسم لامع في مجال الكتابة السياسية والتحليل السياسي المعمق .
لقد قرأت للأستاذ جورج مقالات عديدة أضاءت لي قلبي وقلمي كثيراً سواء المنشورة في الصحافة الكردية الحزبية أو المنشورة في الصحافة الالكترونية .

وتحديداً المواقع الكردية .
الأستاذ جورج في كتاباته عن الشأن الكردي والقضية الكردية يضع يده على ضميره  ويخلص لقلمه أيما إخلاص غير عابئ وخائف من لومة لائم لا يبغي الخير لهذه الأرومات والإثنيات التي تتعايش مع بعضها على مر التاريخ .
هدفه السباحة في مرافئ الحقيقة رغم أن الشط أحياناً يخفي بعض الموج “الغليظ” ، وكلما أقرأ له بحثاً أو مقالة في هذا السياق أزداد قناعة بأن فلسطين لابد يوماً ستفرح وإن طال السفر  ويغتبط قلبي من فرط الحبور ، وأزيح طيور اليأس والنظر إلى وشاح اللوحة الأسود بعيون الأمل أن : هذه الدنيا مازالت بخير ، وإن ثمة من يناصر هذه القضية مجاناً دون أن ينتظر دوره في طابور المطبلين الذين باعوا شرف القضية وقلمهم للشيطان من أجل عدة كوبونات من نفط بلاد الرافدين الذي كاد أن ينضب لكثرة ما وهب من رشاوى وشراء ذمم لعديمي الضمير .
لقد تبدى لي قلم كاتبنا الأستاذ جورج على مستوى عال من المنطق والنطق بالحقيقة ، وعدم السكوت عنها لأي سبب في مقالاته الموضوعية الكثيرة ، ولعل مقالة “حتى لاتتكرر أحداث القامشلي” مثال حي على ما أذهب إليه ، ومثلما قال بالفعل لم تذهب الجماهير إلى ملعب القامشلي من أجل غايات مخبوءة بعكس جماهير الفتوة التي هتفت بحياة صدام ، ورفعت صوره، وشتمت رموز الكرد أمام الجهات المسؤولة ، ومازاد في الأمر سوءاً عدم الحكمة في التعامل مع هكذا أحداث من قبل عناصر حفظ النظام التي أطلقت الرصاص الحي على الجماهير الكردية ، وسقط شهداء ،وانفجر الحدث من عين ديوار إلى زورآفا .
لا أحبذ سرد تفاصيل ما جاء في  المقالة القيمة وأنا أوردتها كمثال ضمن سلسلة مقالاته في تسليط الضوء على الموضوع الكردي ، وأنا أوافقه بأن ” الحركة الكردية ملزمة باستمرار التمسك بالعمل السلمي والعلني ، ونبذ كل أشكال العنف ،ومنع اندلاعه لأي سبب كان ..”
صفوة القول:
إن الموضوع الكردي يشكل حيزاً من الاهتمام الدولي والإقليمي ، ولابد للمثقف العربي ألا يدير ظهره على هذا الموضوع .

لأننا شركاء في الوطن الواحد ، وهذه الشراكة تفرض عليهم أن يقولوا الحق من غير وجل ، والدائرة التي رمى ،ومازال يتابع أستاذنا جورج قلمه في عمقها لعلها تلد دوائر أكبر ، وتطيح ببنيان الخوف الذي بأيدينا نشيده ،  ولعلنا نتحرر من ثقافة الخوف المقيتة والمدانة حتى تأذن القصيدة لعاشقها أن يرسمها بحبره الأبيض …الأبيض .

                                                                              دمشق
emerkoceri@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…