الدكتور صلاح الدين حدو
وانهيار جمهورية مهاباد اثر اتفاقية الغاز والنفط بين إيران وبريطانيا والسوفييت في شرق كوردستان .
واتفاقية الجزائر 1975 وما تلاها من تنكيل بالشعب الكوردي في جنوب كوردستان وصولا إلى الهجرة المليونية ، و تراجع الأسرة الدولية إبان تحرير الكويت عن إسقاط نظام الطاغية في عام 1991 .
تلك اللعبة تجعل الضياع الطريق الأوحد المتاح أمام الهواة و السذج و غشماء السياسة الدولية ممن لا يملكون المعرفة العلمية باصول اللعبة وغير المدربين على خوضها لافتقار آليات التحضر لها.أو لافتقارهم إلى الثوابت النضالية المنبثقة عن رؤى وتطلعات الشعوب التي تُخرج من يُؤتمنُ على تمثيلها ويمتلك الآليات الخارقة للمقارعة في صرا عات كهذه .
و تميز النضال اثر انطلاقة حزب العمال الكوردستاني الذي جسَّد عبر تاريخ طويل من التضحية ونكران الذات التي سلح بها أعضاءه و المبنية على أسس ومنهج علمي في قراءته للواقع الكوردي في شمال كوردستان ، وقدرته على التغلب على ذاته في شجاعته بالاعتراف بأخطائه والعمل على إصلاحها لاحقا و قبوله مبدأ الحوار مع باقي الحركات السياسية الكوردية في تركيا ، استطاع تجييش قسم كبير من الشارع الكوردي في ذلك الجزء لأول مرة في التاريخ أتبعها ببناء أحزاب ومؤسسات مدنية وثقافية واقتصادية تعنى بالشأن الكوردي وتمارس نضالاتها على كل الجبهات الداخلية والخارجية .
مستمدين القوة من تمثل تطلعات الشعب الكوردي والمضي في طريق امتلاك الآلية السياسية والإعلامية المحترفة ومستلزماتها قدر المستطاع .
واستفادوا في نضالهم من كل الظروف المتاحة بدءاً من الصراع التركي السوري على لواء اسكندر ون ومياه الفرات إلى إتِّباع الفكر اليساري في عالم القطبية المزدوجة إلى تنشيط مؤسسات المجتمع المدني البديلة من وراء الستار في عالم القطب الأوحد ، حتى بات دخول تركيا إلى أوروبا متوقفا على حلها للمشكلة الكوردية .وكان لفشل رهاناتهم الإقليمية الحافز الأكبر في ابتعادهم عن رهانات القوى العظمى المرحلية .
جنوب كوردستان :
إن مخيلة معظم الكورد ما تزال تتذكر وبمرارة كلمات وزير خارجية أمريكا السيد هنري كيسنجر في رسالته الشهيرة للبارزاني الخالد بأنه لا مكان للعواطف وأخلاق الفرسان في السياسة .
إنَّ هذه الرسالة وعبر تحريضها السلبي كانت السبب المباشر في توجيه اهتمام القيادات الكوردية اللاحقة نحو حتمية امتلاك لغة التخاطب السياسي العالمية عبر تهيئة الكوادر المختصة أكاديميا في منابع دراسة العلوم السياسية في العالم ، والذي ساهم فيما بعد بالبدء في مشروع تحويل الأحزاب الكوردية من تجمعات عاطفية عشائرية إلى هيكلية تعتمد المؤسسات الإختصاصية قدر المتاح في نضالها ، مما ساهم في ردم الهوة مع العالم المتمدن وفتح الباب لدخول القضية الكوردية إلى المحافل الدولية ومؤسسات المجتمع المدني فيها ، و التي كان لها الفضل الأكبر في الضغط على حكوماتها في تبني قرارات سياسية تخفف من المعاناة التي يعيشها الشعب الكوردي ، مثل قرار حظر الطيران العراقي بين خطي العرض 33-36 عقب انتفاضة 1991 وكان النقل التلفزيوني العالمي للهجرة المليونية للشعب الكوردي تخوفا من بطش طاغية العراق العامل الحاسم في تهيئة ضغط تلك الشعوب على حكوماتها لإصدار تلك القرارات .
شرق كوردستان :
إلا أن تواجد حزب العمال الكوردستاني في المثلث الحدودي وتنامي شعور العداء من أنصاره تجاه أمريكا وحلفائها بعيد المؤامرة الدولية في خطف القائد عبد الله أوجلان خلق نوعا من التناغم يتماشى مع عداء نظام الملالي مع ما يسمونه الشيطان الأكبر ( أمريكا ) ، واستغل أل pkk هذه الفسحة من غض النظر وكثف نشاطه الإعلامي والسياسي بين الشعب الكوردي هناك وأنشأ حزب الحياة الحرة ليعنى بشؤون الكورد في إيران ، إلا أن سقوط النظام الديكتاتوري في العراق وما صاحبه من شرعنة فدرالية إقليم كوردستان وتنامي الشعور القومي الكوردي وإشعاعه جعل دول جوار العراق تتنادى للعمل على كبحه والحد منه وبدأت عمليات التنسيق التركي الإيراني تأخذ طابعا عسكريا في مواجهة قوات حماية الشعب الكوردستانية ، وبدأت موجة المواجهة مع الأمن الإيراني نتيجة حملة الاعتقالات والتنكيل بين أعضاء وأنصار حزب الحياة الحرة تأخذ طابعا جماهيريا ، وارتفعت وتيرة المواجهة اثر إطلاق الأمن الإيراني الرصاص الحي على المدنيين الكورد مما أدى لسقوط ثمانية شهداء من النساء والأطفال في مدينة ماكو .
ويجدر أن لا ننسى دخول لاعب جديد إلى الساحة السياسية الكوردية في شرق كوردستان وهو السيد علي قاضي نجل الشهيد قاضي محمد كرئيس لحزب حرية كوردستان بعد عمر طويل قضاه بعيدا عن الحزبية .
غرب كوردستان :
ولعل طغيان صفة الحاضن كانت السبب وراء تهمة التبعية في النضال لتلك الأجزاء على حساب إهمال النضال الوطني في الداخل ، و التي استثمرها الشوفينيون العروبيون كذرائع فيما بعد لسلسلة من الإجراءات الاستثنائية بحق الشعب الكوردي في هذا الجزء بدءا من الإحصاء الاستثنائي عام 1962 والذي جرد بموجبه أكثر من مائة وعشرون ألفا من الكورد من هوياتهم السورية ، ثم أتبع بالحزام العربي سيئ الصيت الذي وزعت بموجبه أراضي الفلاحين الكورد على عرب الغمر الذين جرى استقدامهم بموجب مخطط يهدف إلى تغيير الهوية الديمغرافية للمناطق الكوردية .
وقد تحمَل الشعب الكوردي في هذا الجزء وعن طيب خاطر فاتورة تبعات علاقات الأحزاب الكوردستانية ( من جنوب وشمال كوردستان ) مع السلطات السورية والتي تمثلت في تأخير حراكه السياسي الداخلي على المستوى الوطني لرفع الغبن المفروض على كاهله .
إلا أن صدمة آذار 2004 وما خلَّفته من آلام على المستوى المادي والمعنوي للشعب الكوردي في سوريا أسقطت ورقة التوت الأخيرة التي كانت تتستر خلفها الأحزاب الكوردية في الداخل وجعلتها تنكشف أمام داخلها قبل انكشافها للشارع الكوردي المصدوم ، على أنها أسماء مكررة لبرامج تصل في حدها الأقصى إلى ثلاثة مستويات .
يفتقر معظمها إلى آليات العمل السياسي العصرية لافتقادها الهيكلية المؤسساتية و الكادرية الإختصاصية العلمية ، والتي تعزى أسبابها لغياب أجواء العمل السياسي بسبب سياسة الأحكام العرفية وقانون الطوارئ والحزب الواحد من جهة وسيطرت عقلية الو لاءات الشخصية والمزاجية وساسة الفطرة على عمل الأحزاب الكوردية من جهة أخرى .
إلا أن الجانب الايجابي لصدمة آذار 2004 يكمن في أن دماء الشهداء والجرحى وآهات المعتقلين الكورد صارت جواز السفر لعرض معاناة الشعب الكوردي في سوريا على طاولة البحث على المستوى الحكومي في سوريا وعلى المستوى الشعبي والرسمي الكوردستاني والعالمي كل حسب رؤيته ومصالحه .
النتيجة :
كان يهدف إلى إقامة كيانات كبيرة وغير مستقرة بعكس المخطط الدولي المطروح حاليا والذي يهدف إلى إقامة كيانات صغيرة ومستقرة بهدف زيادة استهلاكية المجتمعات كي تظل دوائر الإنتاج الغربي مستمرة في الإنتاج وتصريفه .
ولعل ذهاب السيد الرئيس مسعود البارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان على رأس وفد كور دستاني حكومي مخضرم إلى بغداد بمبادرة خلاَقة منه لكبح جماح بوادر الحرب الطائفية والأهلية ، رغم أذية وتجني البعض منهم في وصفهم للكورد بإسرائيل الثانية وتهديد البعض الآخر للكورد بالعقاب عند ” التئام يدهم المكسورة ” من جهة ، ومبادرة القائد عبد الله أوجلان في وقف المعارك من طرف واحد والدعوة لحوار السلام رغم تنكيل اللاظ المدعومين من حزب دنيز بايكال والتوركشيين بالعمال الكورد في مناطق البحر الأسود من جهة ثانية .
عفرين 2006






