ويسير الطين كظلك يمتطي ألبستك, يدخل مسامات كل جزء من نسغ هذه المدينة, ولا تفاجأ بقطع من الإسفلت المتشح ببقايا رمل تتكاثر على امتداد الرؤية, يرتفع أحياناً مع كل هبة من ريح تهب في شكل حلزوني ولا تدع أي من المارة إلا ولفح وجوههم بعض هذه الذرات الخليطة الممزوجة بلا اكتراث فتنزاح الوجوه مكشرة لثوان وتستمر حركة الشارع, هو لم يستطع في البداية أن يستأنس مع ساكني هذا المكان, ومهما حدثت هذه الممحاكات فقد ظل القلق تأخذ مسارها في نفس عيون الجوار الجوار المهمشين في كل شيء إلاً بالحب على طريقتم الخاصة, لكن كل هذا لا يهم بالنسبة لهذا الدمشقي القامشلاوي, وأعود إلى نارنجتي الأثيرية وأقترب من قامتها وفي لحظات تهب نسمة عطرها الرائع, ثم أسير في دهليز مستطيل مترامي الأطراف نبتت على خاصرتيها عشب متنوع الأشكال والأنواع, كأنك في حقل ممسوس تسير بحذر وتنتقل بين كل هذه الأصناف لتدخل إلى المطبخ فتحضر قهوتك اللبنانية اللذيذة, وهنا أتذكر قصيدة لا تغرب عن ذهني للشاعر العراقي الذي عاش في المنفى وتوفي في المنفى فيقول: “
(Bajare Evine)
(مدينة العشق), منذ غادر توأم روحي وصديقي الفنان محمد شيخو إلى خلوده السرمدي, مذ بدأ العد العكسي لإبتلاع ملاك الموت لأصدقائي وهو كالحوت الأطلسي يتناولهم واحداً فواحداً وهو يقهقه, ويقول المزيد من اليفاعات, منذ موت آخر قصيدة كتبتها على شيخي المبارك معشوق الخزنوي, وصورته الأنقى من ثلج حرمون, ولحيته الأطهر ما في الكون, حبيبة العمر وسلواي التي لا تبارح حياتي في مملكي الصغيرة, لقد عصرت روحي وأنا أبحث في قاموس العشاق عن أجمل القصائد لأرسلها مع نسمة الصباح التي تهب على قلبي وعلى شجرتي النارنجية, هي نائمة على وسائد قلبي, تسكن في أضلاعي ولا تبارحها, لا شيء في هذه المدينة إلا هدير السيارة السوداء والتراب وجهات الروح المسربلة في ثياب الضياع, هو القهر ضيفي الثقيل السرمدي.






