في انشقاق أحزابنا والسير الذاتية للحزبيين

عبدالله كَدّو

انشقاقات الأحزاب الكردية السورية المبالغ بها، حد التبعثر، التي سببها الحقيقي، في معظم الحالات، هو التدافع على تسلّم المناصب القيادية،  هذه الانشقاقات أصبحت بيئة للاستثمار في مجالات عدّة ومنها “البيزنز” بذاته، ليطفوَ – على سطح الأجزاء الناتجة عن تفتيت تلك الأحزاب – نسبةٌ كبيرة من أشخاص لا يتمتعون برصيد نضالي ميداني أو نتاج ذهني، ثقافي، سياسي، ممّن لا يتمتعون، على الأغلب،  بمستوى مؤهلات رفاقهم الأعضاء الذين كانوا يعملون ضمن قواعد تلك الأحزاب قبل تفتيتها،  حيث كانت لجان منطقية تصدر نشرات سياسية، ثقافية، باسم مناطقها دورياً، بينما حالياً قلّما تجد إسماً معروفا لدى الشارع الكردي، في تلك الأجزاء المبعثرة الناتجة عن الانقسامات المستمرة، غير اسم المسؤول الأول في كل جزء جديد، كأننا أمام فيلم يمثل فيه البطل لوحده، هذا.. 
دعك عن سوية مؤهلاتهم المعرفية، الإعلامية، اللغوية أولاً، والإطلاع والخبرة السياسيَيْن لديهم ثانياً، ذلك لدى أكثرية أولئك المسؤولين الجدد الذين يقع عليهم الاختيار من بين عدد أقل بكثير من عدد الأعضاء قبل حدوث الانقسام، علما أننا يجب نعترف بأن المتابعة والاهتمام برفع المؤهلات القيادية وتصقيلها حتى في الأحزاب الكردية الأم، أي قبل تعرضها للانشقاقات المتعددة، لم تكن بالشكل المطلوب،  فما بالك عندما تنقسم تلك الأحزاب ويتقلص عدد الحزبيين لأسباب متعددة أهمها الهجرة، حيث تجد أن الأعداد الأصلية للحزبيين، يستنكف قسم منها عن العمل الحزبي احتجاجا على الانقسام، وتتوزع  اقسام بين مختلف الأجزاء الناجمة عن الانشقاق، تلك الأجزاء التي يتأهب كل جزء منها ليقدم نفسه باسم انطلاقة جديدة أو حزب جديد، وهنا يبرز  أشخاص من المتأهّبين من طالبي مراتب قيادية، بالتوازي مع ازدياد أعداد طالبي اللجوء من أبناء شعبنا إلى الخارج ومنهم الحزبيين، ربما يعتقد المتأهبون المتدافعون بأن التدافع لاستلام مناصب قيادية ،لأول مرة، في الحزب الجديد، هو التعامل اللازم مع قاعدة ” العرض والطلب”  حيث التدافع  تحكمه ( فراسة ) لاقتناص فرصة قد لا تعوّض، و(يفيد) امتصاص البطالة، أقلها تلك السياسية،  وفي حالات معينة يأتي الانقسام مطيّةً للذين يعتبرون المنصب السياسي تكملة ( اكسسوار) لديكور حياتهم الشخصية والعائلية، ذلك الذي يحتاج لاكتساب تلميعٍ من النوع السياسي “الزعاماتي”  المحبّب في أوساط واسعة من البيئة الكردية التي مازالت ريفية وعشائرية الطابع، ذلك إشباعا لنزعة “حب البروز ”  التي يبدو أن كل الدروس السابقة  في الحركة الحزبية على مدى أكثر من نصف قرن، بما فيها تلك المستقاة من  كتب” المادية الديالكتية و التاريخية ” و “ما هو الحزب” وعبارات سقراط التوعوية التحذيرية، من قبيل ” إعرف نفسك ثم انطلق ” وغيرها، لم تستطع أن تؤثر في تلك الحالات الأنانية المتورّمة التي يقبل أصحابها أن يتبوؤا مواقع يغبطونها قبل أن يعرفوا شيئا عن أغوارها، كأنهم ذاهبون للحصول على شهادات علمية لتعليقها على حيطان غرفهم للتباهي باللقب… فضحايا  هذا النموذج  من الاستلاب لايجيدون الكتابة بأي لغة، حيث أن الذاكرة السماعية لديهم  خالية من صور الأحرف والحركات التي تحويها المدونات والكتب التي لا تجربة لهم معها، ولا يجيدون التحدث بغير العامّية بأي لغة، منها لغتهم الأم، دعك عن إمكاناتهم السياسية،   فهمُّهم الاول هو أن يكونوا بين وفد قيادة حزب عند الزيارات إلى خيم العزاء وغيرها،  طبعا يَقبلون على أنفسهم الخاوية من أي رصيد معرفي ثقافي سياسي، أن يكونوا ظلالاً لِمَن كان سببا في استحواذهم على مواقعهم الجديدة التي لا تؤهلهم خبراتهم ومؤهلاتهم المعرفية، لوحدها، لإشغالها.
أعتقد أن  الخطوة الاولى نحو الحل المتاح لهذه المعضلة التي تسيء، أيما إساءة للسياسة كعلم وفن، قبل الحديث عن القضية الكردية،  هو تمكين الإعلام الكردي المهني المُنصف، والمطلع على السِّيَر الذاتية الحقيقية للمسؤولين من يوم انضمامهم إلى الأحزاب، تلك القابلة للقياس والمشفوعة بحقائق تقطع الطريق على الإشاعة والانتحال والتزييف وغيرها من الأساليب التي حَرّمت الناشئة من الكرد من التمتع بالاطلاع على التاريخ الحقيقي للحركة السياسية الكردية التي تتحدث باسم الشعب الكردي في سوريا، ذلك بشكل علمي يمكّنهم من استنباط الدروس والعبر منه، فاستمرار الانتحال والتزييف يقع في مصلحة جميع الأطراف والشخصيات المتسللة المتضررة من خلق طواقم قيادية كردية من السياسيين والمثقفين والكتاب الحقيقيين، وفي مقدمة أولئك المتضررين، السلطات المتسلطة التي تستفيد من وضع الشخص الكردي غير المناسب في غير مكانه المناسب. 
بقلم : 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….