في انتظار ساعة الصفر: إلى دمشق الباسلة

  إبراهيم اليوسف

النقلة النوعية، التي أحرزتها الثورة السورية، من خلال وصول عداد التظاهرات السلمية في مدينة مثل دمشق، طالما حرص النظام السوري، على جعلها عمياء، صماء، بكماء، إزاء ما دار في المدن التي باتت تتفرع عنها، وفق خريطة الجمهورية السورية التي تأسست، في مطلع القرن الماضي إلى حوالي ثمانين نقطة، تعدُّ جد مهمة،لأنها وكما يعلم النظام دنو أجله، مكسوراً، مهزوماً، لاعقاً خيباته الجسيمة، وكان في إمكانه تجنب هذا المصير الفجائعي، في ما لو استمع إلى صوت الضمير، من أفواه أطفال سوريا، في درعا، وإدلب، وحماة، وحمص، وبانياس، وقامشلي، وعامودا، ….

وغيرها من المدن الباسلات،
إذ قالوا له باختصار: ارحل، وكان صدى ذلك الصوت الذي بات ينتشر،في أربع جهات سوريا، أفضل حلِّ للدكتاتور الأهوج وبِطانته، من مكونات العصابة التي بات واضحاً للعالم، ماهيتها، وطبيعتها، ليكون سقوطها إيذاناً بنهاية الطغموت البشري في المنطقة، قاطبة، وإن كانت هذه العصابة قد أسست لمرحلة مابعد سقوطها، من خلال فتح بوابات الشرِّ والفتنة التي لابد من أن يسدَّها، شعبنا السوري، بحكمته الوطنية العالية..!

   صحيح، أن هذا النظام المجرم، استطاع تحقيق الكثير، من أهدافه التي خطط لها، مع اشتعال أولى شرارات الثورة، لائذاً بالوهم،على أنه غير معني بما يدور في المنطقة، وأنه لايشبه من سبقه من الطغاة من أمثال القذافي، وأن سوريا هي غير دول هؤلاء، وهي كلها من بنات الخيال، التي كانت وراء ازدياد غطرسة هذا الطاغية المنبوذ الذي لايشبهه، سوى سلفه غير الصالح.

وإن مما حققه هو جرّ سوريا إلى مستنقع الدم، واللعب بالأوراق المحرَّمة، حتى لدى القراصنة و قطاع الطرق، على الصعد كافة، وطنياً، وإقليمياً، وعالمياً، وعدم اكتفائه بالخراب والدمار والقتل، من خلال محاولته برمجة ديمومة كل ذلك، مايشكل مرحلة “مابعد الانحطاط الخلقي” والخسَّة، واللؤم..! .
مرحلة “ضبّ الحقائب” أو إعدادها، باتت، حلماً أعلى للعصابة القاتلة، بعد أن كانت أمامه خيارات أفضل، قبل الآن، انطلاقاً من روح التسامح العليا لدى الإنسان السوري، بيد أن العالم بات يضيق حقاً، أمام النظام، مايجعل حتى المراهنين عليه، إلى الأمس القريب، بل وحتى الملوحين بسيفه، والضاربين به، على حد سواء، يبحثون لأنفسهم، عن مواطىء أقدام، بعد أن أساؤوا ليس إلى الوطن، وأهله الذين لولاهم، لما توافرت لهم العروش التي احتلوها، وإنما أساؤوا إلى ذواتهم، بأكثر، لأن الرصاصة التي تطلق وتقتل شخصاً، أو القذيفة التي تدمر منزلاً فوق أصحابه، إنما هما تصيبان القاتل، في وطنيته، وإنسانيته، ومستقبله، ولعل ذلك-تماماً-قد دفع زين الدين بن علي للوذ بالفرار خارج الوطن، بأقلّ هزائم لحقت به، مكتفياً بالسقف الأعلى لإرث الاستبداد الذي تركه وراءه..!.
إن المواطن الدمشقي، خاصة، والسوري عامة، كما هو شأن أحرار العالم المعنيين، بشأن الثورة السورية، وأهلها، باتوا-وعلى أصوات القذائف والرصاص اللذين يواصلان استمرار “خطة القتل الشامل”، في الحاضرة السورية، كتتويج لمجريات الثورة، يتابعون أخبار وسائل الإعلام، في انتظار أن يجدوا “علم الاستقلال” مرفوعاً على مبنى هيئة الإذاعة  والتلفزيون، في ساحة الأمويين، على أنغام نشيد وطني، جديد، يشبه كل مكونات سوريا، بل إن أصوات الرصاص التي يسمعها العالم كله،عن قرب، باتت تسمع حيث الرئيس السوري في غرفة نومه، تقضُّ مضجعه، وهو عارف أن أيام بقائه، في القصر الجمهوري، باتت جد قليلة، لأن ساعة الصفر التي طالما انتظرها السوريون، منذ عقود، باتت أقرب للعين من جفونها..!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…