الانتحار كتابةً, الإعلام الالكتروني نموذجاً

بقلم : دليار آمد

  من دون أدنى شك فإن الإعلام الالكتروني قد حرق كثيراً من المراحل , وتجاوز كثيراً من التابوهات, إن لم نقل كلها, وبهذا فقد تفوق على بقية أنواع الإعلام من حيث مساحة الرأي والطرح , وكذلك من حيث مساحة المشكلة والحل , ويشترك مع باقي أنواع الإعلام بأنه سلاحٌ ذو حدين , حدٌ ايجابي يستخدم كسلاحٍ في مجابهة المشكلة , وحدٌ سلبي يستخدم في مجابهة الحل بشكلٍ أو بآخر .

ولكن يبدو أنه في الحالة الكوردية السورية ينشط الحد السلبي بشكل أكبر, حيث يعمل بعض المثقفين والصحفيين والناشطين على نسف الحالة النقدية البناءة للإعلام, وامتهان النقد الهدام كسلاح لا يملكون غيره لمواجهة الآخر والحوار معه كصورة من صور الحياة المدنية , فنرى المواقع الالكترونية الكوردية , والتي لا تخضع سوى لرقابة الذات والضمير , وذلك في غياب المؤسسات الرقابية , مكتظةً بالمقالات , وما يدعى بالتحليلات السياسية التي تخون هذا الشخص وذاك التنظيم وتنسف كل ما فيه من دون أي رادع مهني أو أخلاقي أو وطني , كما أنها بعيدة كل البعد عن أخلاقيات وأدبيات المهنة الإعلامية من حيث أسلوب ومبدأ طرح القضية وفيما بعد أسلوب ومبدأ معالجتها والتي في الغالب تؤدي إلى تفاقم المشكلة لتتطور إلى نوع من أنواع الفتن الظاهرة أو المستترة .


وبهذا يكون الكاتب قد أسدى خدمة مجانية أو غير مجانية إلى الآخر المتربص , ذاك الآخر الذي لا يدخر جهداً كبيراً أو صغيراً في محاولته إلى تدمير الذات والشخصية الكوردية بأي شكل كان, وهدم أي محاولة وحدوية كوردية حتى قبل أن تولد أو أن ترى النور, إن تلك الأقلام تقع بشكل مقصود وأحيانا بشكل غير مقصود في الفخ الإعلامي وتثير توجساً ومخاوف لا مبرر لها, مكونةً حالة سيكولوجية قلقة غير متوازنة لدى القارئ أو المتتبع للشأن الكوردي السوري العام, وما زاد الطين بلةً هي مواقع التواصل الاجتماعي التي تستخدم بأسوأ مظاهرها في الحالة الكوردية والتي أصبح فيها السباب والشتائم وتوزيع التهم بالمجان من طبيعتها لا من محرماتها, والتي أصبحت عند البعض شغل من لا شغل له .


وعند العودة إلى جذور المشكلة نستنتج عدة أسباب أدت إلى هذه الحالة اللامهنية في الإعلام الالكتروني الكوردي والذي أصبح جزئاً من المشكلة لا جزئاً من الحل , على عكس الوظيفة الأساسية للإعلام تلك الوظيفة المتمثلة في النقد البناء المتمدن , وتسليط بقع الضوء على أي مشكلة أو صورة غير طبيعية في المجتمع سياسية كانت أم اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية أو حتى فنية ورياضية وخدماتية , وهذا ما لا نلمسه في الحالة الكوردية إلا قليلاً وقليلاً جداً , ومن هذه الأسباب مايلي :
– عدم وجود المؤسسات الأكاديمية التي تنمي وترعى الإعلام كوردياً, وانخفاض نسبة الشباب الكورد الدارسين للإعلام .
–  عدم وجود الصحفيين الأكاديميين المختصين , وهذا ما أفسح المجال أمام من هب ودب للكتابة, وهناك كثير الأمثلة ممن لم يجتازوا المرحلة الثانوية أو الإعدادية ويمتهنون الصحافة والكتابة .
–  عدم وجود المؤسسات الإعلامية الرقابية .
– عدم وجود الإطار المؤسساتي الإعلامي كنقابة تؤطر العملية الإعلامية التي تتكون من الإعلاميين والمادة الإعلامية .
– الإعلام الحزبوي الضيق , والذي هو مرآة لواقع الحركة السياسية المشتتة المشرذمة المتعاركة .
–  غياب إدارات إعلامية مثقفة واعية للمواقع الالكترونية الكوردية, فنرى كثيراً من المواقع تنشر كل ما تتلقاه من مواد دون أي مراجعة أو أي حسابات على ارض الواقع الذي بات يتأثر كثيراً بالإعلام , كما نرى كثيراً من المواقع التي تدّعي الاستقلالية لا تنشر إلا ما يخص أطرافاً محددة أو أهدافاً محددة, وكل هذا يكون تحت شعار الرأي والرأي الآخر !
– سهولة اقتحام الفضاء الإعلامي الالكتروني, في ظل غياب الوعي المتمدن حول استعمال الانترنت واستغلاله كسلاح جبار , فإذا به يتحول إلى مرتعٍ للداني قبل القاصي .
– تقليد الآخر في الإطار, وإهمال المضمون بشكل كامل, وهذا ما يؤثر على تكوين الشخصية بالاتجاه السلبي بشكل كبير .
ولهذه الأسباب تكونت تلك الحالة الإعلامية الالكترونية المعاقة, والتي بطبيعة الحال تنقل إعاقتها إلى المجتمع الواقعي اللافتراضي بشكل أو بأخر وتؤثر عليه بشكل فاعل , فكم من خبر افتراضي مزيف وكم من بيان انترنيتي خلبي انتشر بين الناس وتحول إلى معلومة , و كم من مقالة كتبها شخص غير متزن أو مأجور انتشرت بين الناس وتحولت عند البعض إلى فكرة , إذاً نحن هنا أمام معلومة معاقة مشوهة وفكرة معاقة مشوهة, وهذا بدوره يؤدي إلى حالة عامة معاقة أو شخصية معاقة , وبما أن الإعاقة هنا هي إعاقة سيكولوجية نفسية , فليس بعيداً أن تؤدي تلك الإعاقة إلى حالة انتحار المرسل أو المتلقي كتابياً وثقافياً .
إن الإعلام لعب جميع الأدوار في ثورات الربيع الشرق الأوسطي , فكان المدافع والمهاجم والمراوغ والمخطط , وكثرٌ هم الذين استفادوا منها وكثرٌ هم الذين تأذوا منها , ولازالت في الحالة الكوردية السورية يغلب عليها الطابع السلبي , وليس بالمحال تغيير وجهته ومساره نحو الأفضل والأرقى وذلك إن وجدت الإرادة والتخطيط والتآزر وقبل كل هذا إذا توافر حسن النوايا والإخلاص للقضية الكوردية السورية التي تمر بأهم منعطفاتها تاريخياً .
وفي النهاية ثمة مثل كوردي يصح أن يكون شعاراً للإعلام الكوردي حالياً ودوماً , وحيث يقول هذا المثل بما معناه : إن لم تستطع أن تعمل شيئاً جيداً, فلا تعمل سيئاً .

جريدة  Pênûsa nû– العدد الخامس

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…