العقلية البطركية في الحزب السياسي؟!

زارا مستو

ليس من السهل إيجاد حزب ديمقراطي يؤمن بالتعددية وقبول الآخر والتداول والعمل المؤسساتي و الجماعي في ظل مجتمع لا يزال تهيمن عليه مفاهيم عشائرية, ويعتقد بالعادات والأعراف ويقدسها إلى درجة أنه لا يقبل الجديدة بالسهولة,

أما العقلية البطركية (الأبوية) لا تزال تتحكم في معظم حلقات مفارق حياتنا السياسية والثقافية والاجتماعية في هذه المنطقة, بسبب المنظومة التربوية السائدة, على الرغم من كل التغيرات التي مررنا بها, فإنها خلقت الثقافة التراتبية في العمل الحزبي حيث ساد منطق التلقي والتنفيذ والطاعة والتبعية والرعايا والولاء,
 مما أدى إلى حجب منطق الحوار وبناء الذات وحق التفكير والتعبير والمشاركة, بقي العضو الحزبي في ظل هذه الثقافة دون شخصية خاصة به, بل يعبر عن نفسه من خلال شخصية الأب القائد الذي لا مثيل له في الكون!

بالإضافة أن النظم السياسية في مجتمعاتنا شمولية استبدادية فردية  منعت من إقامة الحياة السياسية والثقافية واحتكرت في شخص القائد المؤسسات كلها, ولذا بقي المجتمع منغلقا لا يقبل التنوع والتعددية وقبول الآخر المختلف.


لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, أدركت معظم القوى التي كانت تدور في فلكها أن ثقافة الحزب الواحد والقائد الأوحد والرمز,و دكتاتورية السلطة لم تجلب سوى الويلات على الشعوب, بل بقيت عاجزة وبعيدة عن المواكبة أسوة بغيرها, على أثره تخلت معظم هذه الأحزاب عن الفكر الماركسي اللينيني واختارت تيارات فكرية جديدة تؤمن بالديمقراطية ومبادئها عوضا عنها.
أما منظمات المجتمع المدني في منطقتنا لقد لعبت دورا مهما في نشر ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان من خلال بناء المؤسسات و الإعلاء من شأن المواطن وعبر وعي العصر وثقافته عموما, كانت هذه المنظمات بمثابة الإرهاصات الأولى لهذه الثقافة, فإن تشكيل المئات من الجمعيات والنقابات والمنظمات دليل على ذلك.
مع ازدياد  نطاق التعليم والمتعلمين والمثقفين والأكاديميين في المجتمع خلق أجواء مناسبة للمطالبة  في بناء المنظمات الخاصة بهم التي تدعو إلى التعددية السياسية والثقافية وبناء واقع أفضل.
وكان للإعلام الحر كالفضائيات والانترنت دور بارز في مقارعة العوامل والعوائق التي تعيق نشر ثقافة الديمقراطية, بل كان منبرا لبناء إنسان جديد مختلف عما كان عليه في السابق, إنسان يؤمن بالحوار والمبادرة.

والرأي الآخر…
ثورات الربيع العربي صفعت صفعة موجعة لأنظمة الاستبداد والشمولية في منطقتنا, التي تشكل ركيزة أساسية في مواجهة بناء الديمقراطية في هذه المنطقة, فإن سقطت الشجرة فستسقط معها أغصانها وأوراقها كلها.

هناك مرحلة انتقالية ستأخذ وقتا لأن تنتقل وتتحرر وتتخلص هذه الشعوب من العقلية الوصائية التي أفرغت طاقات المواطن من محتواه, ويأخذ دوره من جديد, أسوة بالشعوب الديمقراطية, فالثورة الحقيقة ستأتي بعد رحيل الأنظمة الشمولية, فتغيير التركة أصعب من إسقاط النظام نفسه, وقتها ستكون هناك أحزاب ديمقراطية بكل معانيها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح عمر في زمنٍ تُدار فيه الحروب على منابع الطاقة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بخطوط النفط والغاز، تبدو المفارقة في روجآفاي كردستان أكثر قسوةً من أن تُحتمل. فهنا، لا يدور الصراع على من يملك الثروة… بل على من يُحرم منها، رغم أنها تخرج من أرضه، وتُحمَّل أمام عينيه، وتغادر دون أن تترك له سوى طوابير الانتظار. في الوقت الذي يتصاعد…

اكرم حسين تقتضي الضرورة التاريخية الراهنة، أكثر من أي وقت مضى، إجراء مراجعة نقدية للمسارات السياسية التي سلكها الوعي الجمعي السوري منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلّت الدولة والوجدان العام رهيناً لمشاريع أيديولوجية شمولية حاولت قسراً صهر الوجود السوري المتعدد في أطر “فوق-وطنية”، مستندةً في ذلك إلى شعارات العروبة “الراديكالية ” أو”الأممية” الدينية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والواقع المعاش…

سرحان عيسى بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الشخصي والتقدير للأستاذ عبدالله كدو، لما يمتلكه من تجربة ورؤية تستحق النقاش. غير أن هذا الاحترام لا يمنع من الوقوف عند بعض النقاط الجوهرية التي وردت في مقاله، خاصة حين يتعلق الأمر بمسار الحركة السياسية الكردية في سوريا ومستقبلها. إن الدعوة إلى تفعيل الطاقات والكفاءات الكردية السورية هي دعوة محقة ومطلوبة،…

عبد الكريم عمي في مشهد يفيض بالتناقضات، تتكشف ملامح خطاب سياسي وإعلامي يرفع شعارات التضامن مع غزة من على منصات بعيدة عن ميادين الفعل، بينما تتسارع التحولات الإقليمية على الأرض بشكلٍ يعاكس تماما هذا الخطاب. فبينما تنظم فعاليات في عفرين تحت لافتة نصرة غزة ، تبدو هذه التحركات أقرب إلى الاستعراض الرمزي منها إلى موقف سياسي مسؤول يعكس إرادة الشارع…