مالعمل ؟ مابعد مجلس الأمن

صلاح بدرالدين

     تابعت كلمات كل المندوبين والمسؤولين ووزراء الخارجية في اجتماع مجلس الأمن حول سوريا وقد لاحظت الأهمية البالغة التي أوليت للموضوع السوري بحضور وزراء خارجية الدول الأعضاء الأهم في مجلس الأمن وأن هناك مراعاة خاصة الى حد المجاملة لموقف الاتحاد الروسي بغية اقناعه بدعم – المبادرة العربية – واذا كنا نتفهم الاشارات العابرة لكلمات ممثلي الدول الغربية الكبار لزميلهم الروسي بغية اقناعه بالتراجع عن تزمته غير المقبول في دعم النظام السوري والتأكيد له بأن ما يتذرع به من أسباب واهية مثل التخوف المزعوم بتكرار التجربة الليبية ليست في محلها
كما أن تفهمنا لدوافع الدول الغربية المناصرة لقضية الشعب السوري في محاولة تجنب الفيتو الروسي حول المبادرة العربية التي تبناها المندوب المغربي لايدفعنا أبدا للسكوت عن الخطأ الاستراتيجي الذي اقترفته الجامعة العربية في شخص أمينها العام والرئيس الدوري للمجلس الوزاري وزير خارجية قطر في طرح تلك المبادرة العربية البعيدة كل البعد عن ارادة وطموحات الشعب السوري ولاتستجيب لمطالب الثورة المندلعة منذ مايقارب العام ولاتساوي جزءا طفيفا من ثمن دماء الآلاف من شهدائها وجرحاها ومعتقليها ومهجريها بل تتوافق أساسا مع المبادرة الروسية المدعومة تكتيكيا من النظام المستبد كخطة أخرى للتلاعب بمقدرات الشعب السوري وكسب المزيد من الوقت لمحاولة ازالة العقبات وتصفية الساحات الرئيسية للثورة وتوجيه ضربات قاصمة الى العسكريين الأحرار المتمردين على أوامر القيادة المتنفذة والثائرين على نهج النظام .
    قد نتقبل من الأطراف الأجنبية أطروحاتها الخاصة بالقضية السورية وقد نراها مفيدة أو ضارة ولكننا لاننتظر منها المعجزات ولانمون عليها كما هو الحال مع الجامعة العربية ( وهي طرف خارجي أيضا ) ولكن لديها من المعلومات والمعطيات ماتكفي لادانة النظام السوري ليل نهار والدعوة لاسقاطه ورحيل حاكمه المستبد حتى لو اعتمدت على تقارير مراقبيها الذين لم يحظوا بثقة الشعب السوري الا القلة القليلة منهم كان من واجب الجامعة الاعلان أمام المحفل الدولي عن فشل مبادرتها والاعلان عن أنها لم تعد معنية به بسبب رفض وتعنت النظام ومضيه في قتل السوريين والطلب من مجلس الأمن باستلام الملف والتصرف حسب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الانسان واتخاذ القرارات الالزامية بموجب الفصل السابع وفي حال رفض المجلس لاستلام الملف وهذا صعب الحصول حيث عشرة أصوات باتت مضمونة وحتى الموقف الروسي بدأ يهدأ بعد تعديل المبادرة وحذف أفضل بنديها  وفي حال استخدام الروس للفيتو كان يجب أن تتقدم الجامعة العربية الى الدول العظمى والرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية الأخرى ومن بينها دول حلف الناتو لاستلام الملف السوري والتصرف بحكمة تجاه مأساة السوريين ووقف نزف الدم والتدخل لحمايتهم من آلة الحرب الرهيبة التي يستخدمها النظام الأسدي .
    معظم الدول الأعضاء في مجلس الأمن وغالبية المندوبين وقفت الى جانب الشعب السوري وأدانت ممارسات النظام وطالبت علانية برحيل الدكتاتور الحاكم الا مندوبا الجامعة العربية اللذان أرادا طمأنة رأس النظام بأن مبادرة الجامعة لاتغير شيئا من ماهو قائم ولاتدعو الى رحيل الأسد بل مجرد خطوات ترقيعية تتم في اطار المنظومة الحاكمة وهذا مايظهر مرة أخرى الفجوة القائمة بين موقفين : واحد وتمثله الثورة وجزءا من المعارضة وبعض أعضاء مجلس الأمن يطالب بتفكيك نظام الاستبداد بكل مؤسساته ورموزه واعادة بناء الدولة الديموقراطية التعددية الحديثة وآخر يعبر عنه الموقف الروسي والايراني والجامعة العربية وقسم من المعارضة يرى أن الحل بتبديل الحكومة وليس تغيير النظام .
   المبادرة العربية الى المحفل الدولي مضافا اليها كلمتا الأمين العام للجامعة والرئيس الدوري لمجلسها الوزاري لم ترتق الى مستوى خطورة القضية السورية وحجم ملفها فلم تتضمن الاشارة الى مظاهر الاستبداد ضد السوريين عامة وانتهاك الحقوق وقتل المدنيين وسجن عشرات الآلاف واضطهاد القوميات والأديان والمذاهب ولم توضح للمجتمع الدولي عبر مجلس الآن القمع العنصري الذي يتعرض له الشعب الكردي منذ عقود وخاصة في ظل حكم آل الأسد من اقصاء وتعريب وتهجير وتغيير لتركيبة مناطق الكرد الديموغرافية بالرغم من أن الأمانة العامة للجامعة استلمت في الشهور الأخيرة العشرات من المذكرات والوثائق والبيانات حول معاناة الكرد السوريين في حين أن الوزيرة الأمريكية أشارت ولو بعجالة الى جانب من هذه المسائل المصيرية في الداخل السوري .

   الآن وأكثر من أي وقت مضى خاصة بعد نذر الاصطفافات ماقبل الوطنية في الداخل بتخطيط وتحضير من النظام العائلي الحاكم وارتفاع وتيرة العنف الرسمي قتلا وقصفا وتدميرا للمدنيين والمناطق والبلدات هناك ضرورة قصوى باعادة هيكلة المعارضة السورية في الخارج ( المجلس الوطني وغيره ) وانتخاب قيادة كفوءة تعبر عن مصالح الشعب والثورة يشارك فيها الجميع بمافيهم الاخوان المسلمون على أن لايشكلوا عنوانا لها ولامكان لمواقعها القيادية للمتسلقين الحديثي العهد بالمعارضة واذا لم يتحقق ذلك على أصحاب ” المبادرة الوطنية لتوحيد المعارضة السورية ” الذين أعلنوها بالقاهرة قبل حوالي ثلاثة أشهر وطرحوا برنامجهم التوحيدي على الجميع وسلموا نسخة منه وديعة لدى الجامعة العربية  الدعوة السريعة لعقد مؤتمر وطني توحيدي على مرحلتين الأولى تشاورية تحضيرية يشارك فيها أوسع الأوساط وممثلي أكثر التيارات والمجموعات والشخصيات الفكرية والثقافية للوصول الى المرحلة التالية في عقد الاجتماع العام ليقر الوثائق والبرامج والمشاريع وخطط العمل مع انتخاب قيادة تكمل عمل الداخل وتنسق مع الثورة في كل صغيرة وكبيرة ولاتخرج عن المصالح الوطنية العليا وأهداف الثورة التي تعمدت بدماء الآلاف من الشهداء الأبرار .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…