الكورد السوريون والاحتمالات المستقبلية

جان كورد

في البداية، أتقدم إلى الشيخ سعد الحريري بالتحيات الحارة في الذكرى السابعة لاغتيال والده، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وإلى كل اللبنانيين الذين عانوا ولا يزالون من الإرهاب، وأقول بأن السوريين واللبنانيين إخوة في السراء والضراء، وبأننا  نشكركم من قلوبنا على الموقف الشجاع الذي تتخذونه اليوم حيال الثورة السورية التي لابد وأن تنتصر على الطغيان والارهاب مهما طال أمده.
لايزال النظام الأسدي السوري على سابق عهده في القمع والاجرام، يهاجم شعباً أعزلاً بمختلف صنوف أسلحته، يقصف ويدمر ويحرق، كما يقتل ويغتصب وينهب، شأنه في ذلك شأن سائر القوى المحتلة التي تترك خلفها بلداناً مدمرة ومنكوبة، ولكنه يدرك قلة حيلته وضعف قوته أمام شعبٍ مصرٍ على التخلص منه ومحاسبته على إجرامه وتحطيم جبروته.

ولذلك فإنه لايتوانى عن ارتكاب كل أشكال الجرائم ضد الإنسانية، هذه الجرائم التي لابد وأن يدفع ثمنها باهظاً، مثلما دفعه من كان على شاكلته من قبل.
بعد إغلاق الروس والصينيين لأبواب الحل العربي المقترح، بممارستهم حق الفيتو في مجلس الأمن، على الرغم من أن تلك المبادرة العربية كانت لطيفة للغاية في التعامل مع نظام فظيع في ارتكابه الجرائم ضد شعبه، فقد فتح المجال الآن لاحتمالات خطيرة من أهمها احتمال “التدخل الخارجي” بهدف إيجاد ممرات إنسانية بهدف حماية المواطنين السوريين، ومنها أيضاً احتمال دخول سوريا مرحلة الفوضى والانفلات وحدوث فراغات أمنية، والانجرار بالتالي صوب الحرب الأهلية في حال امتناع العالم عن مساعدة المدن السورية المنكوبة من جراء الحرب الطاحنة التي يقوم بها النظام ضد الشعب السوري.


فكيف ينظر الكورد، وهم جزء من هذا الشعب، ارتبط مصيرهم بمصير سائر المكونات السورية الأخرى، إلى المستقبل القريب والبعيد، وإلى أي درجة هم مساهمون في تكوين هذا المستقبل، وما درجة استعدادهم للتأقلم مع هذه الاحتمالات الخطيرة، وهم ضعفاء من شتى النواحي، وفي مقدمتها من ناحية القدرة على حماية أنفسهم وتنظيم شؤونهم الأمنية والحياتية، إذ لا سلاح ولا أموال ولا جيش لهم، بحكم أنهم محرومون من امتلاك كل أسباب القوة تاريخياً، منذ الاستقلال وحتى اليوم.
تنتقل سوريا الآن من النظام الأسدي الذي كان يسيطر بقوة على كل الأمور في البلاد إلى مرحلة انتقالية عاصفة متلاطمة الأمواج قبل وصول السفينة إلى شاطىء الأمان، وهذا سيؤثر بعمق في شكل وأوصاف المستقبل القريب للبلاد، ولذلك لابد لعقلاء ومفكري الشعب الكوردي أن يضعوا أفكارهم وآراءهم بصدد هذا المستقبل على طاولة النقاش، عساهم يتوصلون معاً إلى رسم الخطوط الرئيسية لخارطة طريق عملية وواقعية يسير وفقها حراكنا الكوردي، سياسةً ومنظمات ديموقراطية وتجمعات شعبية عاملة في سبيل حريتها وبناء مستقبلها ونيل حقوقها، إذ بدون المناظرات والحوار والجدال بين العقول المبدعة والرؤوس المفكرة لشعبنا لايمكن تحقيق إنجاز خطوات جادة في هذا المجال الهام والخطير.
وأملي كبير في أن تساهم الحركة السياسية الكوردية بتياراتها المختلفة في دعم العمل في اتجاه رسم هذه الخطوط الأساسية التي لابد من وضعها لانجاز إطار عملي لما هو ضروري على طريق النضال المشترك لمسيرة شعبنا في المستقبل القريب، الذي ربما يكون قاتماً ومرعباً، إن لم نقم بالتحضيرات الكافية والمناسبة له.
الكلام السياسي والتحذيرات الاعلامية ووضع النظريات لايكفي لحماية شعب من مصير مجهول وكوارث محتملة، والعمل الجاد المنظم والمشترك وحده يفتح الآفاق المستقبلية ويحدد الإطار الواقعي الملزم للجميع من أجل أن نصون به أنفسنا وبعضنا بعضاً في أوقات الشدة والضيق، التي نحتاج فيها إلى كل طاقات شعبنا، دون استثناءات.

14‏ شباط‏، 2012

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…