صلاح بدرالدين
في سياق بحث المصير الكردي السوري ، ومحاولات إيجاد مخرج للازمة العاصفة بالحركة الكردية السورية ، مازال بعض الكتاب يستمرون في اتباع المنهج الخاطئ لتناول الموضوع ، فمن جهة يعترفون بوجود أزمة فكر ، وتنظيم ، وتشرذم ، وتفكك ، وتبعية ، وافتقار للمشروع القومي والوطني ، وفي الان ذاته ينتقلون الى النقيض ويزعمون وجود ” حركة سياسية كردية سورية تشوبها الخلافات الحزبية ! ” واكثر من ذلك يدعون ” ان القوى السياسية الكردية السورية متفقة على المطالب والحقوق الأساسية ” !!؟؟ ، ؟
للوهلة الأولى قد يمر القارئ مرور الكرام على مثل هذه الاطروحات التي تبدو محقة في سياقها العام لاغبار عليها ، ولكن مجرد الغوص بالتفاصيل ، وتفكيك المصطلحات ، يصاب بالإحباط ، ولكن لماذا ؟ .
نكاد نقرأ يوميا مثل هذه الافتراضات المتكررة المفتقرة الى الدقة والموضوعية ، ، وأجزم ان معظم أصحابها يطرحونها ببراءة ، وقد يبحثون عن أجوبة صائبة لايجاد حلول لأزمة من دون تشخيصها بالشكل المناسب ، فالشفافية ، والابتعاد عن العموميات في مثل هذه الموضوعات الهامة شرطان اساسييان لتوضيح فكرة التصدي للأزمة بنجاح .
أولا – بحسب هذا الافتراض هناك حركة سياسية كردية سورية مكتملة العوامل الذاتية والموضوعية ، وبكامل قواها الفكرية ، والسياسية ، والثقافية ، والبشرية ، والنضالية ، تحمل البرنامج المناسب ، والرؤية الناضجة في تفاصيل الأهداف والمطالب ، والسبل لايجاد الحل النهائي للقضية الكردية ، والوجود الافتراضي لمثل هذه الحركة السياسية الكردية وبمثل تلك المواصفات يعني انها تمتلك مشروع سياسي جامع ، واجتازت كل العراقيل ، والعوائق بمافيها الخلافات التنظيمية والحزبية ، وهذا يقودنا الى القول ان تلك المقدمة تبقى افتراضية من وحي الخيال ، ولايمكن البناء عليها على ارض الواقع .
ثانيا – الافتراض اللاواقعي الذي يليه وينتهي أيضا بنتيجة خاطئة : نجاح القوى السياسية الكردية السورية في الاتفاق على المطالب والحقوق الأساسية ، وتتعثر في تحويلها الى مشروع سياسي مشترك ؟ ، دعنا نعود الى البداية ونتعرف أولا وقبل كل شيئ على ( هذه ) القوى السياسية ، وعلى ( تلك ) المطالب والحقوق الأساسية :
١ – الحركة القومية ، والوطنية الكردية السورية ومنذ انبثاقها قبل عقود تتشكل من مختلف الطبقات الاجتماعية ، والفئات المتنوعة ، فكريا ، وسياسيا ، وثقافيا ، وأنجبت هذه الحركة الواسعة طوال تاريخها ، وفي مراحل تطورها تعبيرات سياسية ، نضالية متعاقبة ، وفي الوضع الراهن وبعد عدة عقود من التبدلات السلبية العميقة على المستويات الكردية ، والوطنية ، والكردستانية ، والإقليمية ، انتهت الحركة الى : أ – مضاعفة اعداد الوطنيين المستقلين اللامنتمين الى الأحزاب وبينهم الشباب من الجنسين ، والمثقفون ، والمناضلون وهؤلاء يشكلون كما أرى – الكتلة التاريخية – في الحالة الكردية السورية الخاصة ، وهم الغالبية الساحقة ، ب – الأحزاب والتنظيمات ويقدر البعض انها تجاوزت الثمانين او اكثر ، وبغض النظر عن منشئها ، ومصادرها الفكرية والمالية ، واعدادها ، وهياكلها فانها بغالبيتها تتبع لمحاور خارجية فكريا وتنظيميا ، وعاطفيا ، وليست متفقة حول تعريف الكرد السوريين وقضيتهم ، ومطالبهم .
٢ – هناك تفاوت بل اختلاف حتى في تعريف الكرد هل هم شعب ام مجموعات او أقليات ضمن ( الامة الديموقراطية ) ، وهل تتوقف حقوق الكرد على عملية ( الاندماج ) ، او بالإدارة المحلية ، او كيف ما كان ! او بإحدى الصيغ في اطار مبدأ تقرير المصير ؟ انعكس ذلك الواقع المفرط بالانقسام في الحركة الكردية على الحالة السياسية الخاصة بالكرد السوريين : تفاقم الازمة وانتقالها من ازمة سياسية تنظيمية الى ازمة وجودية ، وتراجع ، وضياع ، وأزمة شرعية التمثيل ، وتعدد البدائل الافتراضية الى درجة اعتراف العهد الجديد بغياب المحاور الكردي السوري بشكل غير مباشر عندما اعلن الرئيس السوري الانتقالي ( قسد لايمثل الكرد وان القضية الكردية اكبر من الأحزاب ) وهذا يشي بافتقاد المحاور الكردي السوري ، لذلك علينا العمل من اجل تقديم هذا المحاور .
٣ – بات واضحا بان هناك رؤيتان لتحقيق – وحدة الحركة – واحدة ترى ذلك في اتفاق الدزينة الكاملة من الأحزاب ، وتعتبر كونفرانس الأحزاب بالقامشلي نموذجا ، وأخرى ترى المؤتمر الجامع بغالبية وطنية مستقلة هو الحل لازمتين أزمة الفكر والموقف السياسي ، بإعادة البناء من جديد ، وأزمة غياب المحاور الكردي ، باستعادة التمثيل الشرعي للكرد وحركتهم .
٤– المطلوب الان التحضير لمؤتمر كردي سوري جامع لانجاز مهمتين متكاملتين غير قابلتين للتجزئة ( وهذا في غاية الاهمية ويتجاهله البعض ) : المهمة الأولى إعادة بناء الحركة السياسية الكردية بمعالجة العامل الذاتي أولا ، أي البرنامج السياسي او المشروع القومي والوطني ، استعادة شرعية التمثيل عبر الانتخابات الحرة ، اختيار أفضل السبل لتدشين حركة سياسية موسعة اما على قاعدة ( الاختلاف في اطار الاتحاد ) او الانصهار في بوتقة الحركة الواسعة الجديدة ، اما المهمة الثانية فهي : يلورة المطالب الكردية انطلاقا من وجود شعب أصيل جزء من الشعب السوري يستحق تقرير مصيره السياسي والإداري في اطار سوريا التعددية الموحدة ، وشريكا في القرار والمصير .
لاشك ان المهام المصيرية لاتتحقق بالتمني ، ولا تنجز من جانب طرف واحد ، وما نحن بصدد تحقيقه الان منذ سنوات يحتاج الى تضافر جهود كل الخيرين من بنات وأبناء شعبنا ومن كافة الاطياف ، والفئات ، فالمهام المطروحة قومية ووطنية لاتتوقف على تيار معين .



