مقالات

بين البعدين القومي والوطني

علي شمدين
إن من أخطر التحديات الاستراتيجية التي واجهت الحركة الكردية في سوريا، منذ تأسيسها عام 1957، وساهمت في تشتت صفوفها، ودفعت بها نحو دوامة الانشقاقات والصراعات العقيمة، إخفاقها في بلورة برنامج سياسي واقعي يأخذ خصوصيتها القومية بعين الاعتبار، فضلاً عن عدم تمكنها من إيجاد التوازن المطلوب بين البعدين القومي والوطني، اللذين ينبغي أن يشكّلا العمود الفقري لهذا البرنامج المنشود.
فمن المعلوم أن نضال الشعب الكردي في سوريا يستمد خصوصيته القومية من واقع التقسيم الذي فُرض عليه، رغماً عنه، إثر الاتفاقيات الاستعمارية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والتي أُلحِق بموجبها جزء من وطنه بحدود الدولة السورية، فأصبح الكرد السوريون، منذ ذلك الحين، جزءاً من سكان هذه الدولة الحديثة، وخاضعين لسيادتها من الناحيتين القانونية والسياسية، الأمر الذي وضعهم أمام إشكالية التوازن بين انتمائهم القومي وانتمائهم الوطني، والحرص على عدم طغيان أحدهما على الآخر.
وبالعودة سريعاً إلى بدايات الحركة الكردية في سوريا، نرى أن هذا التحدي قد برز منذ انطلاقتها، مع تسرّب شعار «تحرير وتوحيد كردستان» إلى خطابها السياسي، في وقت كان فيه البرنامج السياسي المعتمد لأول حزب كردي في سوريا، ينص حرفياً على: «عندما يتحرر بلدنا سوريا من النفوذ الاستعماري، وتنتهي التدخلات الأجنبية في شؤونه الداخلية، عندها سيطالب الحزب بإيجاد وضع خاص لـ400 ألف كردي يعيشون في الجزيرة وجبل الأكراد وعين العرب، وذلك من أجل تأمين حقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية».
فقد سارعت الجهات الشوفينية، إلى استغلال هذا التناقض الذي ظهر بين البرنامج السياسي للحزب، وبين الشعار الذي طرح عبر خطابه السياسي آنذاك، واعتبرت ذلك تغييباً للإنتماء الوطني للكرد السورين لصالح تضخيم انتمائهم القومي، فاتخذته تلك الجهات العنصرية، ذريعةً لزجّ معظم قيادات الحركة الكردية في سوريا والمئات من كوادرها وأنصارها ومؤيديها في السجون والمعتقلات، بتهمة دعوتهم للانفصال وإقامة «إسرائيل ثانية»، فانقسم المعتقلون أمام المحكمة العسكرية بين فريقين، فريق التزم ببرنامج الحزب بقيادة رئيسه، الدكتور نور الدين زازا، وفريق أصرّ على التمسك بذلك الشعار بقيادة عضو المكتب السياسي، العم أوصمان صبري، ومع أن هذا الفريق الأخير أيضاً قد تخلى عن ذلك الشعار بعد خروجه من السجن، إلا أن جرح الخلاف بين الفريقين لم يندمل، مع الأسف الشديد، إلى أن تمخض عن إعلان أول إنشقاق في تاريخ الحركة الكردية في سوريا عام 1965.
لسنا بصدد العودة إلى تلك المرحلة بهدف نبش تلك الخلافات العقيمة التي أوصلت الحركة الكردية في سوريا إلى واقعها الراهن، وإنما من أجل استلهام الدروس والعبر، والاستفادة منها في تجاوز التحديات التي تقف في طريقها وتدفع بنضالها نحو طريق مسدود، بسبب انقسام أطرافها حول برامج سياسية تتأرجح بين البعدين القومي والوطني، وتتمحور خلف شعارات متناقضة لا تحقق الانسجام اللازم بين الظروف الذاتية والموضوعية القاهرة التي يعيشها الشعب الكردي في سوريا، ولا سيما خلال سنوات الأزمة السورية، والتي تضع على عاتق حركته السياسية مسؤولية تاريخية لتجاوز هذه التحديات المصيرية، وذلك بالعمل بشكل جدي على تحرير إرادتها السياسية، وامتلاك قرارها السياسي، وبناء شخصيتها الاعتبارية التي تعكس الخصائص القومية لنضال الشعب الكردي في سوريا.
ومن هنا، فقد جاء انعقاد كونفرانس 26 نيسان 2026، لوحدة الصف والموقف السياسي الكردي في سوريا، بحضور ممثلي جميع الفعاليات السياسية والثقافية والاجتماعية الكردية في سوريا وممثلي القوى الكردستانية الرئيسية وممثلي التحالف الدولي، بمثابة نقلة نوعية، بهذا الاتجاه، حيث انبثقت عنه رؤية سياسية تدعو في المجال الوطني إلى بناء نظام ديمقراطي تعددي لا مركزي، وفي المجال القومي تطالب بالإقرار دستورياً بالحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي في سوريا. ومع ذلك هناك من يروّج بأن هذا الكونفرانس قد وُلد ميتاً، لأنه طالب في رؤيته السياسية بالنظام الفيدرالي للبلاد، من دون الأخذ بعين الاعتبار واقع الحكومة المؤقتة في دمشق، التي لا تكتفي برفض هذا الشكل من إدارة الحكم، بل ترفض حتى ورود كلمة «الديمقراطية» في خطابها السياسي.
ومثل هذا القول يبدو، للوهلة الأولى، بمثابة كلمة حق، إذ لا بد من عدم تجاهل طبيعة النظام الانتقالي الذي يحكم البلاد، وأخذ مواقفه وتوجهاته بعين الاعتبار. غير أن المفارقة تكمن في أن هؤلاء أنفسهم هم من هدّدوا بالانسحاب من الكونفرانس ما لم يُقرّ المشاركون الصيغة النهائية للرؤية السياسية بالشكل الذي خرج به هذا الكونفرانس.
فهل ستتمكن الحركة الكردية في سوريا من تجاوز هذا التناقض المزمن بين القول والفعل، و تحقيق التوازن المطلوب بين انتمائها القومي وانتمائها الوطني؟
٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

بعد تفعيل برلمان الإقليم وبمقاطعة من الإتحاد الوطني الكوردستاني. هل هناك إحتمال إقدام الإتحاد الوطني للقيام بإعلان إدارة مستقلة في السليمانية؟

شكري بكر تتجدد التساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، في ظل استمرار الخلافات السياسية والإدارية بين الطرفين،…