ليست أزمة العمل السياسي الكردي السوري وليدة خلاف عابر، ولا يمكن اختصارها في تعدد الأحزاب أو اختلاف القيادات والبرامج. فقد رافقت الحركة السياسية الكردية، على امتداد مراحل مختلفة، أسئلة تتعلق بوحدة الموقف، وطبيعة التمثيل، والعلاقة مع القوى السورية والإقليمية، والقدرة على تحويل المطالب القومية والوطنية إلى مكاسب سياسية ملموسة.
ومع ذلك، تبدو ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها: استطاعت القوى السياسية الكردية، رغم اختلافاتها وتباين مرجعياتها، الحفاظ على قدر من الاتفاق حول مجموعة من الحقوق والمطالب الأساسية، لكنها لم تنجح حتى الآن في تحويل هذا المشترك إلى مشروع سياسي متكامل، تتوافق عليه قواها، وتمتلك القدرة على تمثيله والدفاع عنه والتفاوض باسمه. فهل تكمن إحدى أعمق أزمات الحركة السياسية الكردية السورية في هذه الفجوة بين الاتفاق على المطالب والعجز عن تحويلها إلى مشروع سياسي مشترك؟
لا يعني هذا السؤال أن القوى الكردية تفتقر إلى الأفكار أو المبادرات، ولا أن تاريخها خلا من محاولات التقارب والتنسيق. لكنه يدعونا إلى التمييز بين وجود مطالب مشتركة، وبين امتلاك رؤية سياسية متقاربة، وبين القدرة على صياغة مشروع عملي يحوّل تلك المطالب والرؤى إلى برنامج قابل للتنفيذ.
فالمطلب يجيب عن سؤال: ماذا نريد؟ والرؤية تتعلق بكيفية فهمنا للواقع وتصورنا للحل، أما المشروع السياسي فيفترض أن يجيب عن سؤال أكثر تعقيداً: كيف نحول ما نريده وما نتصوره إلى برنامج عمل، وأولويات واضحة، وآليات للتمثيل والتفاوض والتنفيذ والمراجعة؟
وهذا التمييز ليس مجرد اختلاف في المصطلحات. فقد تتفق قوى سياسية على ضرورة الاعتراف الدستوري بالوجود القومي الكردي في سوريا، وضمان الحقوق السياسية والثقافية واللغوية، وتحقيق المواطنة المتساوية، ومعالجة آثار السياسات التمييزية، والمشاركة الحقيقية في رسم مستقبل البلاد. لكن هذا الاتفاق لا يعني بالضرورة أنها تمتلك تصوراً واحداً لشكل الدولة، أو لطبيعة اللامركزية، أو للعلاقة مع القوى السورية المختلفة، أو لموقع الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية في أي تسوية سياسية مقبلة.
ومن الطبيعي أن تتعدد الرؤى والاجتهادات في هذه القضايا، بل إن التعدد قد يكون مصدر غنى للحياة السياسية إذا جرى التعامل معه بوصفه اختلافاً مشروعاً. فليس المطلوب أن تتبنى جميع القوى موقفاً واحداً في كل التفاصيل، ولا أن تتخلى عن خصوصية برامجها ومرجعياتها. لكن السؤال هو: هل تستطيع إدارة هذه الاختلافات ضمن أرضية مشتركة، أم أنها تتحول في كثير من الأحيان إلى أسباب إضافية للتباعد والتنافس وتعطيل العمل المشترك؟
إن المشكلة، في تقديري، ليست بالضرورة في تعدد الرؤى، بل في غياب القدرة السياسية والمؤسسية على إدارة هذا التعدد وتحويل القواسم المشتركة إلى مشروع سياسي قابل للحياة. فالاختلاف لا يصبح أزمة لمجرد وجوده، وإنما حين تعجز الأطراف عن وضع قواعد للتعامل معه، أو حين يصبح الحفاظ على خصوصية كل طرف أهم من البحث عن مساحة مشتركة تخدم القضية العامة.
وقد يكون من المفيد هنا التوقف عند جانب ثقافي لا يقل أهمية عن الخلافات السياسية والتنظيمية، وهو طريقة استقبال الأفكار والمبادرات داخل بعض الأوساط السياسية. ففي أحيان كثيرة، يبدو أن السؤال عن مصدر الفكرة أو الجهة التي تقف وراءها يسبق السؤال عن مضمونها وقيمتها وإمكانية الاستفادة منها. وقد تتأثر طريقة تقييم المبادرة بهوية صاحبها أو انتمائه السياسي، بدلاً من إخضاعها لمعيار موضوعي يتعلق بمدى فائدتها للمصلحة المشتركة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإلغاء حق أصحاب الأفكار في الإشارة إلى جهودهم أو حفظ حقوقهم الفكرية، فهذا أمر مشروع ومهم. وإنما يتعلق بالخلط بين حق الاعتراف بالمصدر، وبين اتخاذ هوية صاحب الفكرة سبباً لقبولها أو رفضها. فالاعتراف بقيمة فكرة لا يعني بالضرورة تبنّي موقف صاحبها، كما أن الاختلاف معه لا يبرر إهدار قيمتها.
ولعل هذه المسألة تكشف جانباً من صعوبة بناء ثقافة عمل جماعي؛ إذ قد يصبح الاعتراف بنجاح مبادرة صادرة عن طرف مختلف أمراً حساساً، وكأن الاستفادة منها تمنح ذلك الطرف رصيداً سياسياً على حساب الآخرين. وإذا ترسخ هذا النمط من التفكير، فإن الحوار يتراجع، وتضعف فرص التعلم المتبادل، وتصبح المراجعة الذاتية أكثر صعوبة، لأن المؤسسة قد تجد نفسها منشغلة بالدفاع عن صورتها وموقعها أكثر من انشغالها بتقييم تجربتها وتصحيح أخطائها.
وهنا لا يعود الخلاف محصوراً في البرامج والمواقف، بل يمتد إلى طريقة النظر إلى الآخر المختلف، وإلى مدى القدرة على الاعتراف بأن لديه ما يمكن أن يكون مفيداً، حتى عندما لا نتفق معه في المرجعية أو التوجه السياسي. وهذه ليست مسألة أخلاقية مجردة، بل شرط من شروط تطور المؤسسات وتجديد أدواتها وقدرتها على العمل المشترك.
ومن جهة أخرى، لا يمكن الحديث عن مشروع سياسي مشترك دون التوقف عند مسألة التمثيل. فمن يتحدث باسم القضية الكردية السورية؟ ومن يملك تفويضاً حقيقياً للتفاوض بشأن حقوقها ومطالبها؟ وهل يكفي اتفاق مجموعة من الأحزاب كي يصبح موقفها ممثلاً لمختلف شرائح المجتمع الكردي؟
لا شك أن الأحزاب السياسية تظل مكوناً أساسياً في أي عملية سياسية، ولها دور لا يمكن تجاوزه. لكن المجتمع أوسع من الأحزاب، والقضية المشتركة لا تختزل في الأطر التنظيمية وحدها. فهناك مستقلون، وطاقات أكاديمية وثقافية، وفعاليات مدنية واجتماعية، ونساء وشباب، وشخصيات تمتلك خبرات وتجارب يمكن أن تضيف إلى أي مشروع جامع.
غير أن إشراك هذه الطاقات لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد إضافة أسماء أو تخصيص مقاعد شكلية تمنح انطباعاً بالتنوع، بينما تبقى عملية صياغة القرار محصورة في الأطر الحزبية التقليدية. فالمشاركة الحقيقية تعني أن يكون لهذه الطاقات دور في مناقشة الرؤية والأولويات، والمساهمة في صناعة القرار ومتابعة تنفيذه ومراجعته.
كما أن التمثيل لا يستمد شرعيته من الدعوة إلى مؤتمر أو الإعلان عن تشكيل مرجعية سياسية فحسب، بل يحتاج إلى معايير واضحة للتفويض والاختيار، وآليات للمساءلة والمراجعة، وتحديد طبيعة الصلاحيات والمسؤوليات. فالمؤسسة التي لا تمتلك القدرة على تحويل القرارات إلى عمل، ولا تخضع للمحاسبة، قد تتحول إلى إطار إضافي يضاف إلى الأطر القائمة دون أن يعالج أسباب التعثر.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى مؤتمر جامع أو مرجعية سياسية مشتركة قد تكون خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. فالمؤتمر يمكن أن يكون وسيلة لصياغة المشروع المشترك وإقرار آليات العمل والتمثيل، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً عن وجود إرادة سياسية حقيقية لإدارة الاختلافات، ولا عن الاتفاق على الحد الأدنى من الأولويات التي ينبغي الدفاع عنها.
ولأن مسألة التمثيل السياسي وآليات بناء مرجعية جامعة تطرح أسئلة إضافية تتجاوز حدود هذا التشخيص، فسنعود إليها في حلقة لاحقة، نحاول فيها مناقشة شروط التمثيل المشروع، وإمكانية تحويل فكرة المؤتمر الجامع إلى إطار سياسي فاعل.
ولا ينبغي أن يكون المشروع المشترك وثيقة جامدة تنفصل عن التحولات المتسارعة في سوريا والمنطقة. فالمتغيرات السياسية والإقليمية والدولية تفرض على القوى السياسية مراجعة تقديراتها وأولوياتها بصورة دورية، وتقييم ما تحقق وما تعثر، وتعديل الوسائل والمواقف عندما تقتضي الضرورة ذلك، دون التفريط بالحقوق والمبادئ الأساسية. فالمشروع الحي ليس الذي لا يتغير، بل الذي يمتلك من الوضوح والثبات ما يحفظ غاياته، ومن المرونة ما يسمح له بالتكيف مع الواقع.
إن البحث عن أسباب تعثر المشروع السياسي المشترك لا ينبغي أن يقودنا إلى تحميل طرف واحد المسؤولية، أو اختزال الأزمة في قيادة أو حزب أو مرحلة بعينها. فالمسألة تبدو أكثر تركيباً، وتتداخل فيها عوامل تاريخية وتنظيمية وثقافية وسياسية، من بينها ضعف الثقة المتبادلة، وتراكم الخلافات، وتغليب الحسابات الحزبية أحياناً، وتأثير بعض الارتباطات والعلاقات الخارجية في استقلال القرار السياسي، وضعف آليات المراجعة والتنسيق، فضلاً عن الفجوة القائمة بين الأطر السياسية وقطاعات من المجتمع.
ولا يعني ذلك أن المسؤوليات متساوية بالضرورة، أو أن تقييم أداء القوى السياسية يجب أن يتجنب النقد. بل إن النقد يصبح أكثر جدوى حين يستند إلى وقائع ومعايير واضحة، ويميز بين المسؤوليات، ويبحث عن سبل الإصلاح بدلاً من الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو الدعوة إلى إنهاء الأطر القائمة دون تصور واضح لما يمكن أن يحل محلها.
فالمطلوب ليس أن تتحول القوى السياسية الكردية إلى نسخة سياسية واحدة، أو أن تتخلى عن خصوصية رؤاها وبرامجها، بل أن تنجح في بناء أرضية مشتركة تتيح لها إدارة اختلافاتها دون أن تفقد قدرتها على العمل والتنسيق والتفاوض معاً. فالمشترك السياسي لا يُقاس بغياب الاختلاف، بل بالقدرة على إدارته وتحويله إلى مصدر قوة وفاعلية.
وربما تكون الخطوة الأولى نحو ذلك هي الانتقال من سؤال: من يمثل القضية الكردية وحده؟ إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نبني صيغة تمثيلية تحظى بقدر مقبول من الشرعية والثقة، وتستطيع التعبير عن المشترك دون إلغاء التعدد؟
إن القضية الكردية السورية أكبر من أي حزب أو إطار سياسي، وأوسع من خلافات القيادات والحسابات التنظيمية. ولذلك فإن بناء مشروع مشترك لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تنازلاً من طرف لآخر، أو انتصاراً سياسياً لهذا على حساب ذاك، بل باعتباره مسؤولية جماعية تقتضي الاعتراف المتبادل، والاستعداد للمراجعة، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الحركة السياسية الكردية السورية أن تنتقل من مرحلة الاتفاق على المطالب إلى مرحلة بناء مشروع سياسي مشترك، يدير تعدد الرؤى، ويستوعب الطاقات المجتمعية، ويمتلك شرعية التمثيل وفاعلية القرار؟ أم أن الفجوة بين وحدة القضية وتعدد الرؤى ستظل قائمة ما دامت أدوات العمل وثقافته عاجزة عن إنتاج المشترك؟
بون: 04.11.2026






