مقالات

برلمان كوردستان يعود إلى الحياة.. إرادة المؤسسات تنتصر بعد عامين من الانتظار

مهند محمود شوقي

لم يكن برلمان كوردستان مجرد مؤسسة سياسية نشأت بقرار إداري أو نتيجة تسوية بين الأحزاب، بل كان أحد التعبيرات الأهم عن إرادة شعب اختار، بعد عقود من المعاناة والتضحيات، أن يدير شؤونه بنفسه، وأن يؤسس تجربة ديمقراطية في منطقة لم تعرف طويلاً سوى الحروب والاضطهاد وغياب الحقوق.
ففي تاريخ 19 أيار 1992، توجه أبناء كوردستان إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أول برلمان في تجربتهم السياسية الجديدة، بعد انتفاضة آذار 1991 التي أعادت للإقليم إرادته السياسية، وفي أعقاب سنوات من التضحيات التي قدمها البيشمركة والشعب الكوردستاني، وما حملته ذاكرة الأنفال وحلبجة من آلام ودماء. وعقد البرلمان أولى جلساته في 4 حزيران من العام نفسه، ليبدأ فصل جديد في تاريخ الحكم الذاتي والمؤسسات الديمقراطية في كوردستان.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تكن مسيرة البرلمان سهلة؛ فقد واجهت التجربة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، بل وصلت في بعض مراحلها إلى الانقسام والتعطيل. ومع ذلك، بقي البرلمان رمزاً لإرادة سياسية وشعبية أرادت أن تجعل من المؤسسات طريقاً لحماية الحقوق وإدارة الاختلاف.
وفي الرابع من تشرين الثاني 2026، عاد هذا الصرح إلى ممارسة دوره بعد قرابة عامين من الانتظار، في جلسة حضرها 52 نائباً، واكتمل بها النصاب القانوني من أصل مائة مقعد، لتنتخب الهيئة الرئاسية الجديدة. وقد حملت هذه العودة أكثر من رسالة سياسية، لأنها أعادت طرح سؤال جوهري: هل تستطيع القوى السياسية أن تجعل مصلحة المؤسسات والشعب فوق حساباتها الحزبية؟
منذ إعلان نتائج انتخابات 20 تشرين الأول 2024، كان واضحاً أن إرادة الناخبين تستدعي الإسراع في تشكيل الحكومة العاشرة وتفعيل البرلمان، لا إبقاء مؤسسات الإقليم في حالة انتظار مفتوحة. وقد عبّر رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، في بيانه يوم الانتخابات، عن أمله في أن يسهم وجود برلمان فاعل في تشكيل الكابينة العاشرة بأقرب وقت، والمضي في مسيرة الأمن والإعمار والتقدم.
كما دعا الرئيس مسعود بارزاني في 31 كانون الأول 2024 إلى تشكيل الحكومة الجديدة سريعاً، والاستجابة لصوت الناخبين الذين عبّروا عن إرادتهم في الانتخابات. وتواصلت الدعوات والمبادرات السياسية خلال العامين الماضيين، فيما جدد مسرور بارزاني في تموز 2026 دعوته لجميع القوى إلى تفعيل البرلمان، محذراً من تحويله إلى رهينة للمصالح الشخصية والحزبية الضيقة.
لكن الخلافات السياسية وتعثر التفاهمات بين القوى الفائزة حالت دون إنجاز هذا الاستحقاق في موعده، وأبقت المؤسسة التشريعية معطلة، فيما ظلت مفاوضات تشكيل الحكومة العاشرة تراوح مكانها. ولم يكن المواطن بعيداً عن نتائج هذا الانسداد؛ فكل تأخير في استكمال المؤسسات ينعكس على قدرة النظام السياسي على اتخاذ القرارات ومتابعة الملفات العامة ومراقبة الأداء الحكومي.
ومن هنا، فإن جلسة اليوم لا ينبغي قراءتها باعتبارها انتصاراً لطرف على آخر، بل باعتبارها خطوة ضرورية لاستعادة مؤسسة يملكها شعب كوردستان، ولا يجوز أن تبقى معلقة على خلافات الكتل السياسية. فالديمقراطية لا تكتمل بصناديق الاقتراع وحدها، وإنما باحترام نتائجها وتحويلها إلى مؤسسات تعمل وتتحمل مسؤولياتها.
ولعل من أبرز دلالات هذه الجلسة أن رئاسة البرلمان ذهبت إلى امرأة كوردستانية؛ إذ انتُخبت الدكتورة ڤالا فريد رئيسة للمؤسسة التشريعية، لتحمل مسؤولية قيادة مرحلة جديدة من العمل البرلماني. وهي ليست مجرد خطوة في مسار التمثيل النسوي، بل تعبير عن مسيرة طويلة للمرأة الكوردستانية التي لم تكن يوماً على هامش تاريخ مجتمعها.
فالمرأة الكوردستانية شاركت الرجل في جبهات النضال، وتحملت أعباء الحروب والنزوح، ثم شاركته في بناء المؤسسات، وفي ميادين التعليم والصحة والإدارة والعمل العام. واليوم، تصل إلى رئاسة البرلمان، في مشهد يعكس تطور حضور المرأة في الحياة السياسية، ويؤكد أن الكفاءة والمسؤولية لا تحددهما جنس الشخص، بل قدرته على خدمة المجتمع وصيانة مؤسساته.
ولا تقل أهمية عن ذلك دلالة انتخاب رامي نوري ممثلاً للمكون المسيحي نائباً لرئيس البرلمان، وانتخاب منى نبي قهوجي ممثلة المكون التركماني سكرتيرة للبرلمان. فهذه التشكيلة تعكس حضور المكونات في قيادة المؤسسة التشريعية، وتؤكد أن كوردستان التي احتضنت قوميات وأدياناً متعددة تستطيع أن تجعل من التنوع أساساً للشراكة لا سبباً للخلاف.
إن التعايش لا يُقاس فقط بالخطابات والمناسبات، بل بمقدار مشاركة المواطنين، بمختلف قومياتهم ومعتقداتهم، في صناعة القرار وإدارة المؤسسات. ومنح المكونات مواقع في هيئة رئاسة البرلمان يحمل رسالة بأن مستقبل الإقليم لا يُبنى بإقصاء أحد، وإنما بتوسيع مساحة المشاركة وضمان الحقوق للجميع.
أما سياسياً، فقد أثبتت جلسة اليوم أن الإصرار على تفعيل البرلمان، والتمسك باستحقاقات الناخبين، والضغط الذي مارسه الحزب الديمقراطي الكوردستاني من أجل إنهاء حالة التعطيل، أسهمت في الوصول إلى هذه اللحظة، رغم استمرار الخلافات ومقاطعة عدد من الكتل للجلسة. وقد أظهرت مشاركة 52 نائباً أن النصاب القانوني يمكن أن يتحقق عندما تتقدم المسؤولية البرلمانية على قرارات المقاطعة.
ومع ذلك، فإن استعادة رئاسة البرلمان ليست نهاية الطريق. فالاختبار الحقيقي يبدأ الآن، من خلال انتظام الجلسات، وتشكيل اللجان، وممارسة الدور التشريعي والرقابي، وفتح أبواب الحوار أمام الكتل التي لم تشارك في جلسة اليوم، وصولاً إلى استكمال بقية الاستحقاقات الدستورية وتشكيل الكابينة الحكومية العاشرة.
لقد أنجزت الكابينة التاسعة، برئاسة مسرور بارزاني، خلال سنوات عملها، مئات المشاريع في مدن الإقليم وأقضيته ونواحيه، وشملت قطاعات الطرق والمياه والتعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار. وهذه المشاريع لم تكن مجرد أرقام في تقارير حكومية، بل تحولات لمسها المواطن في حياته اليومية، من طريق أصبح أقصر، ومدرسة استقبلت أبناءه، ومشروع مياه وفر احتياجات منطقته، إلى فرص عمل وإنتاج واستثمار في مختلف أنحاء كوردستان.
ومن المهم أن تتحول عودة البرلمان إلى فرصة لاستكمال هذه المسيرة، لا إلى محطة جديدة للصراعات. فالكابينة العاشرة ستكون أمام مسؤولية البناء على ما تحقق، ومعالجة ما لم يُنجز، والاستجابة لتطلعات المواطنين، فيما سيكون البرلمان مطالباً بمراقبة الأداء ومساءلة الحكومة وإقرار التشريعات التي تحمي حقوق الإقليم وتدعم التنمية.
لقد انتظر شعب كوردستان عامين حتى يرى مؤسسته التشريعية تستعيد نشاطها، ولم يكن هذا الانتظار مجرد تأخير في عقد جلسة أو انتخاب هيئة رئاسة، بل كان اختباراً لقدرة القوى السياسية على حماية تجربتها الديمقراطية. واليوم، عادت هذه المؤسسة إلى العمل، حاملة معها تاريخاً من التضحيات وآمالاً متجددة بمستقبل أفضل.
فالبرلمان الذي تأسس بعد انتفاضة شعب وتضحيات أجيال، ينبغي ألا يتوقف بسبب خلافات السياسيين. وكوردستان التي استطاعت أن تحول إرادة التحرر إلى مؤسسات، قادرة أيضاً على تحويل اختلافاتها السياسية إلى شراكة في الحكم والبناء.
إن الرابع من تشرين الثاني 2026 يجب ألا يُسجل فقط بوصفه تاريخ انتخاب رئيسة جديدة للبرلمان، بل بوصفه يوماً استعادت فيه المؤسسات حقها في العمل، وتجدد فيه الأمل بأن تكون إرادة شعب كوردستان أقوى من كل حالات الانسداد، وأن تستمر مسيرة البناء والإعمار في ظل مؤسسات دستورية فاعلة وشراكة تشمل جميع أبناء الإقليم.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى