غير مصنف

غياب الدولة الكردية وإقصاء الكرد من دائرة الشرعية الإسلامية!

ابوبكر علي كاروانى
إن غياب الدولة الكردية وإقصاء الكرد من دائرة الشرعية الإسلامية أمر يثير قدراً كبيراً من الاستغراب؛ إذ نادراً ما نجد، على مستوى المؤتمرات والملتقيات الإسلامية (لا على مستوى الأفراد)، إشارة إلى قضية كردستان ومعاناة أكبر أمة ذات أغلبية مسلمة لا تمتلك دولة خاصة بها في العالم، ألا وهي الأمة الكردية.

فهذه المؤسسات، شأنها شأن الدول التي قُسّمت كردستان بينها، تتجاهل هذه القضية الكبيرة والعادلة، ولا تذكرها، ولا تعترف بشرعيتها، فضلاً عن أن تقدم لها الدعم أو تتخذ موقفاً مناهضاً للظلم والاضطهاد اللذين تمارسهما الدول والأنظمة بحق الكرد.

لذلك، نجد أن المؤتمرات والملتقيات الإسلامية تتناول قضايا فلسطين واليمن والسودان وأفغانستان سابقاً والشيشان وكشمير والروهينغا وتركستان الشرقية وغيرها من المناطق، بينما تكاد قضية كردستان تغيب تماماً عن خطابات هذه المؤسسات والشخصيات والقيادات الإسلامية. وكأن قضية دامية امتدت لأكثر من قرن لم يكن لها وجود أصلاً!

ويعود ذلك، باختصار، إلى أن قضية كردستان، من وجهة نظر بعض هذه الأوساط، إن لم تكن مشروعاً لإقامة إسرائيل ثانية، كما يصفها بعضهم، فهي على الأقل قضية قومية داخل مجموعة من الدول المسلمة، كما أن الأطراف التي تواجه الكرد ليست أطرافاً غير مسلمة.

وحين تُصنَّف قضية ما، حتى من منظور العقلية الإسلامية التقليدية، على أنها قضية قومية، فإنها تواجه صعوبة كبيرة في الحصول على الاعتراف بالشرعية الإسلامية؛ ذلك أن الأيديولوجيا الإسلامية الحديثة والمؤسسات الإسلامية عموماً ترفض معايير القومية وقيمها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأمة لا تمتلك دولة وتكون الأطراف التي تواجهها مسلمة.

فهي تنظر إلى القومية باعتبارها نزعة عصبية غير إسلامية ومظهراً من مظاهر الجاهلية. بل ترى فيها، من زاوية أخرى، رمزاً للانقسام والتشرذم بين المسلمين، وأداة استخدمها الغرب لإسقاط الإمبراطورية العثمانية، ويستخدمها اليوم لتفكيك بعض الدول المسلمة وإضعافها.

غير أن معظم هذه التصورات، ولا سيما المتعلقة بالكرد، تفتقر إلى أساس متين، ولا تعدو أن تكون تبريراً لقمع الكرد وحركتهم القومية المطالبة بحقوقها.

فعلى امتداد القرن الماضي، شاركت روسيا والولايات المتحدة ودول غربية بصورة مباشرة في قمع الكرد وحركتهم السياسية، وقدمت الدعم للسلطات والدول التي اضطهدتهم وأبقتهم في حالة من التبعية. بل وصل الأمر إلى أن تطلب وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس الاعتذار من تركيا لمجرد ورود اسم كردستان على لسانها، الأمر الذي أثار غضب أنقرة.

فمن وجهة نظر هذه الدول، لا وجود لشيء اسمه كردستان، كما أن مجرد استخدام هذا الاسم يُعد تهديداً لأمنها القومي!
ولا شك أن هذه المواقف تكشف عن تبسيط في التفكير، وأزمة في الفكر الإسلامي المعاصر، وضعف في روح العدالة الإسلامية لدى قطاع واسع من المؤسسات الدينية والإسلامية في المنطقة والعالم الإسلامي عموماً.

فإلى جانب هيمنة الطابع المذهبي والطائفي على خطابها، واختزالها رحابة الإسلام في ضيق الانتماءات المذهبية، نجد أن بعض معايير إضفاء الصفة الإسلامية على القضايا والمواقف لدى الجهات المشرفة على هذه المؤتمرات ترتبط بسياسات الدول والأنظمة التي ترعاها، وبمصالحها ومعاييرها، سواء أكانت تقدم لها الدعم المادي أم تُعقد المؤتمرات على أراضيها.

ولهذا، مهما كانت القضية عادلة ومشروعة من منظور إسلامي، ومنها قضية كردستان، فإن هذه الجهات إذا لم ترغب في تسليط الضوء عليها وإثارتها، فإن المؤسسات المعنية تتجنب الخوض فيها.

وفي الوقت نفسه، فإن الدول المسلمة المعاصرة، ومنها الدول التي قُسّمت كردستان بينها، هي دول قومية حديثة، أي دول-أمم. ومهما تولت الحركات الإسلامية الحكم فيها، فإنها لا تتخلى عن هذه الطبيعة ولا تتحول إلى كيان آخر؛ لأن كل واحدة منها تدافع بشراسة عن مصالحها وأمنها القومي، وهي مستعدة لخوض الحرب ضد أي جماعة أو دولة إسلامية إذا رأت فيها تهديداً لمصالحها وأمنها القومي.

وبذلك، إذا كانت قضية كردستان قضية قومية، وتُستبعد لهذا السبب من دائرة القضايا الإسلامية التي تحظى بالاهتمام والاعتراف، فإن الدول التي أبقت هذه القضية بلا حل طوال أكثر من قرن هي الأخرى دول قومية حديثة.

أي إن القضية تدور بين مجموعة من الدول القومية المعاصرة ذات السياسات القمعية، تمثل قوميات مهيمنة، وبين حركة مطالبة بالحقوق القومية لأمة مسلمة واقعة تحت الهيمنة، تطالب بالمساواة والعدالة القومية؛ وليست صراعاً بين الخلافة الراشدة وجماعة متمردة خارجة عليها.

ومن ناحية أخرى، لو لم يتعرض الكرد لهذا الظلم الكبير بعد الحرب العالمية الأولى، ولو لم يُحرموا من إقامة دولتهم الخاصة، ولو كانت لهم دولة منذ ذلك الحين، لكانوا اليوم، شأنهم شأن الدول الأخرى، يتمتعون بالاعتراف والشرعية الإسلامية؛ ببساطة لأنهم يمتلكون دولة.

ولو ظهر شخص أو تيار داخل دولتهم يعارضها باسم القومية، حتى لو كانت دولتهم قومية بطبيعتها، لاعتُبر، وفقاً للمنطق ذاته، معارضاً لوحدة الأمة الإسلامية وداعياً إلى تفكيكها.

وهذا يكشف أن جانباً من الرؤى والشعارات التي تُثار كثيراً باسم وحدة الأمة الإسلامية يخفي في جوهره رؤية سياسية حديثة منحازة إلى الدولة ومركزيتها، ومغطاة بغطاء ديني، لا رؤية إسلامية أصيلة قائمة على العدل.

فالمعيار المهم الذي يحدد ما إذا كانت قضيتك ستُذكر ويُعترف بها بوصفها قضية إسلامية مشروعة هو امتلاكك دولة، وليس بالضرورة عدالة قضيتك أو مشروعيتها الأخلاقية والإسلامية.

وهذا يعني أن غياب الدولة لم يُقصِ الكرد من التاريخ الرسمي للعالم، ومن منظومة القانون الدولي العام، وسجلات الأمم المتحدة والعالم الحديث فحسب؛ بل أدى، بصورة مشابهة، إلى إقصاء قضيتهم من دائرة الشرعية الإسلامية المعاصرة لدى تلك المؤسسات.

فما دامت القضية تُصنَّف على أنها قضية قومية، وما دام الفكر الإسلامي المعاصر عاجزاً عن تقديم تصور لمعالجتها يتجاوز بعض الحقوق الثقافية وحقوق المواطنة والأخوة الإسلامية المجردة من مضمونها، فإن القضية الكردية تُدفع إلى خارج دائرة الشرعية الإسلامية، ويترك ذلك أثره في الحقوق والمكانة الإنسانية والإسلامية لأبناء هذه الأمة ذات الأغلبية المسلمة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

حين تشيخ الأحزاب سياسيا

✍️ خالد حسو لا تُقاس حيوية الأحزاب السياسية بأعمار قياداتها، ولا بطول سنوات بقائها في مواقع المسؤولية، بل بقدرتها على تجديد رؤاها،…