شكري بكر
شهدت ألمانيا أمس، إحدى أكبر القوى الاقتصادية والسياسية في أوروبا، حراكاً احتجاجياً قاده الشباب في عدد من المدن الآلمانية تعبيراً عن حالة من الاستياء تجاه السياسات الحكومية، ولا سيما ما يتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمة السكن، ومستقبل التعليم، ورفض العودة إلى التجنيد العسكري الإلزامي، فضلاً عن الاعتراض على تنامي الإنفاق العسكري على حساب القطاعات الاجتماعية.
ولا يمكن قراءة هذه المظاهرات باعتبارها مجرد تحركات شبابية عابرة، بل ينبغي النظر إليها في سياق التحولات الاجتماعية والسياسية التي قد تشهدها ألمانيا وأوروبا عموماً، حيث تتزايد المخاوف بشأن المستقبل الاقتصادي والاجتماعي، وتتسع الفجوة بين تطلعات الأجيال الجديدة وأولويات الحكومات الأوربية.
وتكشف هذه الاحتجاجات عن إشكالية أساسية تتعلق بأولويات الدولة، فبينما تتجه الحكومات الأوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية في ظل التوترات الدولية والحرب في أوكرانيا وتزايد المخاوف الأمنية، يرى قطاع من الشباب أن القضايا المعيشية والتعليمية والاجتماعية لا تحظى بالاهتمام الكافي.
كما تعكس المظاهرات تراجع الثقة لدى شرائح من الجيل الجديد بالمؤسسات السياسية التقليدية، ورغبة الشباب في المشاركة الفعلية في رسم السياسات التي تحدد مستقبلهم، بدلاً من الاكتفاء بتلقي القرارات الحكومية دون مشاركة مؤثرة في صياغتها.
ومن المهم هنا التمييز بين المطالب الاحتجاجية المشروعة وأعمال التخريب والعنف التي رافقت بعض التحركات، فالتعبير السلمي عن الرأي حق ديمقراطي، لكنه لا يبرر الاعتداء على الممتلكات أو الإخلال بأمن المجتمع.
إن ما جرى أمس في ألمانيا يطرح تساؤلات تتجاوز حدودها الجغرافية: هل تستطيع الديمقراطيات الأوروبية تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن والدفاع من جهة، والعدالة الاجتماعية وتحسين الظروف المعيشية من جهة أخرى؟
في المحصلة، لا تمثل احتجاجات الشباب بالضرورة أزمة للنظام الديمقراطي الألماني، لكنها تشكل رسالة سياسية واجتماعية واضحة مفادها أن قوة الدول لا تُقاس فقط باقتصادها وقدراتها العسكرية، وإنما أيضاً بقدرتها على تأمين حياة كريمة لشعوبها، والاستماع إلى تطلعات أجيالها الجديدة. فالديمقراطية لا تكتمل بصناديق الاقتراع وحدها، بل تحتاج إلى الثقة والمشاركة والاستجابة لمطالب المجتمع الأوربي عموما.






