محمد الشرف الحسيني:
يبدو أن الشعبين السوري والعراقي يعيشان انهياراً عصبياً جماعياً، وكأن أعصابهما لم تعد تحتمل المزيد من أثقال الحياة. يموت الناس في الشوارع، وفي المكاتب، وفي المقاهي، وأثناء العمل، بل حتى حول موائد الطعام؛ وكأن الموت لم يعد ينتظر موعداً، ولم تعد له أبواب محددة، بل صار ضيفاً ثقيلاً يقتحم تفاصيل الحياة اليومية بلا استئذان.
لم تعد الحياة في سوريا والعراق تشبه الحياة إلا بالاسم؛ فقد تحولت إلى حكاية طويلة من العذاب والخوف والفقر والقتل، تتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل، حتى بات الإنسان يخشى يومه، ولا يطمئن إلى غده، ولا يعرف إن كان سيعود إلى بيته سالماً أم سيصبح خبراً عابراً في نشرة المساء.
وليس هذا فحسب؛ فقد أصبح الناس يعيشون حالة من الاضطراب النفسي والاجتماعي، إلى درجة أن خلافاً عابراً قد ينتهي بالعنف، وربما بجريمة قتل. استوطن الخوف نفوسهم، وصار المستقبل مصدراً دائماً للقلق، وتآكلت الثقة بين الناس بفعل تفشي الغدر والخيانة وانهيار منظومة الأمان الاجتماعي. لم يعد المرء يطمئن إلى جاره أو شريكه أو حتى إلى من يجلس معه على مائدة واحدة. وفي ظل هذا المناخ المشحون بالخوف والاحتقان وفقدان الثقة، تتزايد جرائم القتل والعنف في كلا البلدين، حتى باتت تهدد السلم الاجتماعي برمّته. إنها ليست مجرد جرائم متفرقة، بل مؤشرات موجعة على مجتمع أنهكته الأزمات، وأثقلت أعصابه سنوات الخوف والحرمان، حتى صار بعض أبنائه ينفجرون في وجوه بعضهم عند أول خلاف، وكأنهم لم يعودوا يملكون من الصبر ما يكفي لاحتمال بعضهم بعضاً.
اسألوا توم باراك، واسألوا أسياده الأولين والآخرين، عمّا فعلوه بأرض بغداد والمدائن وبابل ونينوى وأربيل ودمشق وحلب وبوتان. فهذه ليست مجرد أسماء مدن على خرائط الجغرافيا، ولا محطات عابرة في كتب التاريخ؛ إنها ذاكرة حضارات، وأوعية إنسانية، ومهاد ثقافات، وشواهد على أن هذه الأرض كانت يوماً تصنع التاريخ، قبل أن تتحول إلى ساحة تتصارع فوقها المصالح والإمبراطوريات وأطماع الساسة.
كم من حضارة أُطفئت أنوارها، وكم من بيت هُدم، وكم من أمّ انتظرت عودة ابنها فلم يعد، وكم من إنسان دُفن حياً تحت أنقاض الحروب أو مات ببطء تحت أنقاض الفقر واليأس! والأشد إيلاماً أن الذين يدفعون ثمن هذه الكوارث ليسوا صانعيها، بل شعوب لم تطلب سوى أن تعيش بكرامة، وأن تأكل من تعبها، وأن تنام دون خوف.
ومع ذلك، لا أريد لهذه الكلمات أن تكون مرثيةً مفتوحة لشعوبنا، ولا إعلاناً عن موت الأمل في هذه البلاد. فالأرض التي أنجبت بابل ونينوى والمدائن ودمشق وحلب وأربيل وبوتان، لا تزال قادرة على إنجاب الحياة من بين الركام، إذا تحرر أبناؤها من عبودية الطغاة، وتخلصوا من تجار الحروب، واستعادوا حقهم في تقرير مصيرهم.
إننا لا نريد معجزة، ولا نطلب من العالم أن يعيد إلينا تاريخنا؛ نريد فقط أن يتركوا لنا حق الحياة، وأن يكفّوا أيديهم عن حاضرنا ومستقبل أبنائنا. فما أكثر ما أخذوا من هذه الأرض، وما أقلّ ما تركوا لأهلها!
ولعلّ ما تبقّى من أملٍ لهذه الشعوب أن تنسحب حكومات الترك والعرب والفرس من أرض كوردستان، وأن تكفّ عن تحويلها إلى ساحة لصراعاتها وأطماعها، لعلّ الكورد ينعمون بشيء من السلام، ويعيشون ما تبقّى من أعمارهم بكرامة وأمان، قبل أن تنفد أعمارنا وأعمار هذه البشرية على كوكب الأرض، ونجد أنفسنا أمام ذلك الكون المرعب، العنيف، اللامبالي؛ كونٍ لا يعرف القوميات ولا الأديان ولا الحدود السياسية، ولا يعترف بأوهام القوة والتاريخ، بل تحكمه قوانين الفيزياء وحدها، حيث لا مكان للعاطفة ولا استثناء لأحد من قوانين الوجود.
فما أغرب الإنسان! يقضي عمره في محاربة أخيه الإنسان على قطعة أرض، بينما يقف الاثنان معاً، بكل هشاشتهما، أمام كونٍ لا يكترث بوجودهما أصلاً.
فليس من العدل أن تكون هذه الأرض قد منحت العالم حضاراتٍ وعلوماً وتاريخاً، ثم لا يجد أبناؤها اليوم مكاناً آمناً ينامون فيه، أو رغيفاً يأكلونه، أو مستقبلاً يطمئنون إليه.