مقالات

كري سبي/ تل أبيض اختبار للدولةوالعدالة

صديق ملا

لم تكن القافلة التي توجهت مؤخراً إلى كري سبي، تل أبيض، قافلة عسكرية أو قوة سياسية جاءت لفرض واقع جديد. عائلات كردية سورية مهجّرة تريد العودة إلى منازلها وأراضيها بعد سنوات طويلة من النزوح.
لكن مشهد العودة تحوّل إلى عنف وتهديد وحصار. لقد تعرضت عائلات عائدة، بينهم نساء وأطفال، لاعتداءات، وأُحرقت و حُطمت مركباتهم، بينما اضطرت عشرات العائلات إلى الاحتماء داخل مبنى إدارة المنطقة لساعات قبل تدخل قوات الأمن وإجلائها من المنطقة. وتختلف التقارير في تقدير عدد المركبات المتضررة، إلا أنها تتفق على وقوع اعتداءات ومنع العائلات من استكمال عودتها. وهنا تتجاوز القضية حدود حادث أمني عابر.
فالسؤال الذي تطرحه أحداث كري سبي هو:
هل أصبحت عودة السوري عموماً والكردي خصوصاً إلى بيته حقاً مضموناً، أم أن العودة لا تزال خاضعة لموازين القوة والسلاح والانتماء القومي والسياسي؟
العودة إلى الوطن ليست جريمة
بل من أبسط المبادئ التي يفترض أن تحكم مرحلة ما بعد الحرب:
إن المهجّر الذي يريد العودة إلى منزله لا ينبغي أن يحتاج إلى حماية من أجل ممارسة حقه الطبيعي في العودة. وبغض النظر عن الانتماء القومي أو السياسي للعائدين، فإن المواطن الذي يملك منزلاً أو أرضاً ويعود إليها بصورة سلمية يجب أن يكون محمياً من الاعتداء والترهيب. لكن خطورة ما حدث في كري سبي تكمن في أن الضحايا، وفق التقارير، لم يتعرضوا فقط لخلاف حول الملكية أو نزاع محلي، بل واجهوا العنف أثناء العودة. وقد قالت لجنة مهجري كري سبي إن نحو مئة عائلة حوصرت داخل مبنى المنطقة لأكثر من ثماني ساعات، و أُحرقت ودُمرت المركبات التي كانت تقلهم. وهذا يضع السلطات أمام مسؤولية واضحة:هي
حماية حق العودة، وليس التدخل بعد وقوع الاعتداء.
من يملك حق تحديد من يعود إلى بيته؟

الحرب السورية خلفت واقعاً بالغ التعقيد.
سنوات النزوح والحرب والسيطرة العسكرية أدت إلى تغيير مواقع السكان، وإلى استقرار عائلات في مناطق لم تكن موطنها الأصلي. لكن وجود هذا التعقيد لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لإلغاء حقوق أصحاب المنازل والأراضي. فالملكية لا تُحسم بالصراخ في الشوارع، ولا بالحجارة، ولا بإحراق السيارات، ولا بقوة السلاح. وإذا كان هناك نزاع على منزل أو أرض، فهناك القضاء والوثائق والسلطات المدنية والمحاكم.
أما أن يتحول النزاع إلى تهديد لعائلات عائدة بسبب هويتها الكردية، فذلك يفتح الباب أمام أخطر أنواع الفوضى.أو
أن يصبح الانتماء القومي معياراً للحق في السكن والعودة.
من غير الموضوعي تجاهل حقيقة أن العائدين في هذه الحادثة كانوا من المهجرين الكرد، وأن الشعارات والتهديدات التي أُطلقت ذات طابع عدائي تجاه الكرد، وعن اتهام العائدين جماعياً بالارتباط بقوات سوريا الديمقراطية أو حزب العمال الكردستاني.
وهنا يجب التوقف عند مسألة خطيرة للغاية: لا يجوز معاقبة المدني لأنه كردي، كما لا يجوز افتراض أن كل كردي هو مقاتل أو تابع لهذا الطرف السياسي أو ذاك.
إذا كان هناك شخص متهم بارتكاب جريمة، فليُحاسب على فعلته. أما تحويل الهوية القومية إلى تهمة جماعية فهو الطريق الأقصر إلى إعادة إنتاج الصراع الأهلي. وبالمثل لا ينبغي أن تتحول هذه الحوادث إلى اتهام جماعي للعرب أو لسكان المنطقة. المسؤولية يجب أن تكون فردية وقانونية، وأن تطال من اعتدى وهدد وأحرق وخرب، أياً كانت هويته. المشكلة ليست في العودة فقط، بل في ضمانها.
العودة الآمنة لا تعني أن تُفتح الطريق أمام القافلة ثم تُترك العائلات لمصيرها.
العودة الحقيقية تحتاج إلى ثلاثة شروط أساسية:
الأمن، والملكية، والكرامة. الأمن يعني ألا يخاف العائد على حياته وحياة أطفاله. والملكية تعني أن يستعيد منزله وأرضه وفق القانون، أو يحصل على تعويض عادل إذا تعذر ذلك. والكرامة تعني ألا يدخل مدينته بوصفه غريباً أو متّهماً، وألا يُطلب منه إثبات أنه ليس عدواً حتى يُسمح له بالعودة إلى بيته. وهذا بالضبط ما يجعل أحداث كري سبي اختباراً سياسياً للسلطات السورية الجديدة، وليس مجرد حادث محلي. فإذا كانت الدولة تريد فعلاً بناء سوريا جديدة، فإن أول اختبار لها هو قدرتها على حماية المواطن عندما يكون ضعيفاً، لا عندما يكون مدعوماً بالسلاح أو النفوذ. مسؤولية السلطات: المحاسبة قبل المصالحة.
هذه خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. المطلوب تحقيق واضح وعلني يجيب عن أسئلة كثيرة:
من بدأ الاعتداء؟ من أحرق المركبات؟ من هدد العائلات؟ من حاصر النساء والأطفال؟ هل كانت هناك جهات مسلحة منظمة؟ ولماذا لم تكن الحماية الأمنية كافية منذ لحظة وصول العائلات؟ وهل سيُحاسب المعتدون فعلاً، أم ستنتهي القضية ببيانات الإدانة والمصالحة الشكلية؟ هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً. إنها جوهر بناء الدولة. لا يمكن بناء سوريا جديدة بعقلية المنتصر والمهزوم
ومن أكبر أخطاء المرحلة الحالية:
أن يُنظر إلى مناطق مثل كري سبي/ تل أبيض باعتبارها ساحات لتصفية الحسابات بين مكونات سورية مختلفة. لقد دفع السوريون، عرباً وكرداً ثمناً باهظاً للحرب. وإذا كانت سوريا تريد الخروج من هذه المرحلة، لا يمكن أن يكون الحل باستبدال مهجّر بمهجّر، أو تحويل عائلة نازحة إلى مستوطن، أو استخدام الخوف لتثبيت أمر واقع جديد. العدالة لا تعني طرد عائلة من منزلها لأنها تنتمي إلى قومية معينة، كما لا تعني منع صاحب المنزل الأصلي من العودة لأن سنوات الحرب جعلت الآخرين يستقرون فيه. العدالة تعني الاحتكام إلى القانون، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وحماية جميع المدنيين من الانتقام.
الحادثة الأخيرة يجب ألا تُستغل لإشعال مواجهة جديدة بين العرب والكرد. لكن في الوقت نفسه، فإن التهدئة لا تعني الصمت عن الانتهاكات. والسكوت عن الاعتداءات على العائدين سيعطي رسالة خطيرة مفادها أن المهجّر الكردي يمكن أن يعود إلى وطنه فقط إذا وافق الآخرون على عودته. وهذه ليست دولة قانون، بل استمرار لمنطق الحرب بأدوات مختلفة.
أما التعامل الجاد مع الحادثة، وفتح تحقيق مستقل، ومحاسبة المعتدين، وضمان حماية العائدين وممتلكاتهم، تكون خطوة أولى نحو استعادة الثقة.
لأن حق العودة ليس منحة من طرف لآخر، ولا امتيازاً تمنحه جماعة لأخرى. إنه حق إنساني وقانوني أساسي. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد أحداث كري سبي ليس فقط: من اعتدى على العائدين؟ بل السؤال الأعمق هو: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تجعل من القانون مرجعاً فوق السلاح، ومن المواطنة أساساً للحقوق، ومن العودة إلى البيت فعلاً طبيعياً لا مغامرة محفوفة بالخوف؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن كري سبي/ تل أبيض يمكن أن تكون بداية لمعالجة جراح الماضي. أما إذا بقيت الاعتداءات بلا محاسبة، وبقيت هوية الإنسان تحدد مقدار الحماية التي يحصل عليها، فإن الحرب تكون قد انتهت عسكرياً فقط، بينما يستمر منطقها في المجتمع.
والذين عادوا إلى كري سبي/ تل أبيض لم يطلبوا امتيازاً. لقد طلبوا فقط أن يعودوا إلى بيوتهم.⁩

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى