مقالات

إيران، الديكتاتورية والمسار الأوروبي الخاطئ.. قراءة في آخر التطورات المتعلقة بإيران

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)*

فيما يتعلق بإيران اليوم، لا ينبغي التعويل على المقولة الكلاسيكية القائلة إن «أفضل تكتيك للدفاع هو الهجوم»، فقد طرأت تغيّرات كثيرة على المعادلات السياسية والعسكرية في المنطقة والعالم. وسيكون أكبر خطأ في الحسابات أن نعتقد أن تهديدات النظام الحاكم في إيران جدّية! قد تأخذ بعض الأطراف تهديدات النظام على محمل الجد، عمدًا أو من غير عمد، لكنها مخطئة. إن وجود هذا النظام الديكتاتوري واستمراره في البقاء كان ولا يزال على حساب المجتمع البشري!

وفي مواجهة النظام الإيراني، يقف شعبٌ هو جزء لا يتجزأ من المجتمع البشري. وقد قدّم هذا الشعب مقاومةً إلى المجتمع، نهضت منذ يومها الأول في وجه الديكتاتورية، ولم تتوقف عن النضال يومًا واحدًا. وقد أثبت التاريخ أن الشعب هو «المنتصر في الميدان» في مواجهة الديكتاتورية. وإن تأجيل هذا «التحول الكبير» خطيئة لا تُغتفر، لأن الشعب الإيراني، بوصفه جزءًا من المجتمع البشري المعاصر، قد حُرم من حقوقه، واحتلت الديكتاتورية الحاكمة مكانه.

وإذا استندنا إلى قول الشاعر الإيراني الكبير: «إذا أصاب الدهرُ عضوًا بالألم، لم تعد سائر الأعضاء تنعم بالراحة»، فإن «سائر أعضاء» هذا المجتمع البشري باتوا اليوم يحملون عبئًا ثقيلًا على عاتقهم، ويتعين عليهم أداء دورهم على الوجه الصحيح، وألا يسمحوا للديكتاتورية بأن تحتل مكان «العضو» المحروم.

أوروبا تسلك المسار الخاطئ

ومن المقرر أن تُمنح في ألمانيا، يوم 7 تشرين الثاني/نوفمبر، جائزة لابن الشاه الديكتاتور، في خطوة تمثل استفزازًا صارخًا للضمير الإنساني وإهانةً لضحايا ديكتاتورية الشاه. وفي بلجيكا أيضًا، كان ابن الشاه الديكتاتور المخلوع في إيران قد دُعي إلى البرلمان، لكن هذه الزيارة انتهت بالفشل بفضل أنشطة المقاومة الإيرانية. غير أن الرسالة التي حملها هذان الحدثان هي أن أوروبا تسلك مسارًا خاطئًا في تعاملها مع إيران. فهذا النهج يمثل استمرارًا لسياسة الاسترضاء مع الديكتاتورية الحاكمة في إيران. أما الولايات المتحدة، فعلى الرغم من أنها تخوض حربًا مع هذه الديكتاتورية، فإن لم ترتقِ هذه «الحرب» إلى مستوى دعم الشعب الإيراني وتبنّي الحل الثالث الذي أعلنته المقاومة الإيرانية، فلا بد من القول إن نتيجة كلا المسارين، سواء الاسترضاء مع الديكتاتورية أو الحرب الخارجية ضدها، واحدة، وهي الإبقاء على الديكتاتورية في إيران.

وقد قوبلت دعوة رضا بهلوي من قبل جمعية ألمانية لتسلّم جائزة مؤسسة فريدريش ناومان، ومحاولات تهيئة الظروف لمشاركته وعقد لقاءات سياسية له في بلجيكا، بموجة من احتجاجات الإيرانيين. فقد اعترضت مئات الجمعيات الإيرانية من أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا، إلى جانب عدد من السجناء السياسيين، على منحه الجائزة في ألمانيا، معتبرةً ذلك إضفاءً للشرعية على الإرث السياسي لديكتاتورية الشاه في إيران، التي قمعت معارضيها وعذّبتهم وأعدمتهم. وأكدوا أن رضا بهلوي لم يبتعد بوضوح وصراحة عن جرائم حكم والده فحسب، بل إنه يفتخر بها أيضًا!

والحقيقة أن الديمقراطية لا تتحقق باستبدال ديكتاتورية بأخرى؛ فالطريق إلى حرية إيران يمر عبر إنهاء جميع أشكال الاستبداد والاعتراف بحق الشعب في السيادة. وهذا مطلب لن يتراجع عنه الشعب الإيراني. إن مطالب الشعب الإيراني، المتمثلة في إقامة جمهورية ديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، وضمان حقوق القوميات، تتعارض مع مبدأ السيادة الوراثية واستمرار الحكم الديكتاتوري، سواء أكان ملكيًا أم دينيًا. ويجب أن يتشكل مستقبل إيران على أساس الإرادة الحرة للشعب.

ولهذا السبب، وقبل إلغاء دعوة رضا بهلوي وإلقائه كلمة في البرلمان البلجيكي، وجّهت مجموعة من الشخصيات السياسية والقانونية والأكاديمية البارزة في بلجيكا رسالة إلى السيد ماكسيم بريفو، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية البلجيكي، حذّروا فيها قائلين:

«نقف بحزم إلى جانب الشعب الإيراني في نضاله من أجل الديمقراطية. ولهذا السبب تحديدًا، يجب ألا تمنح بلجيكا الشرعية لشخص يعكس مشروعه السياسي العودة إلى شكل آخر من أشكال الديكتاتورية.

كما وجّهت الجاليات الإيرانية الداعمة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ وفرنسا رسالة إلى السلطات البلجيكية، قبل إلغاء دعوة ابن الشاه، جاء فيها:

«إننا نعتبر دعوة ابن ديكتاتور إيران المخلوع واستقباله في بلجيكا إهانةً لثورة الشعب الإيراني ضد الشاه، واستخفافًا بالديمقراطية. فمنذ مئة عام، يخوض الشعب الإيراني نضالًا ضد ديكتاتوريتين دمويتين من أجل تحقيق الديمقراطية».

وأضافوا: «إن ابن شاه إيران الديكتاتور لم يدن جرائم والده وجده قط، بل ظل على الدوام يفتخر بماضي عائلته وممارساتها».

***

*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى