المهندس: محمدأمين سعدون:
موظف سابق في مزارع الدولة-
لم يكن مشروع الحزام العربي الذي طبقه حكومة الوحدة في عهد جمال عبدالناصر في نهاية الخمسينيات وأستحدثه نظام البعث في محافظة الحسكة خلال ستينيات و سبعينيات القرن الماضي، مجرد خطة للإصلاح الزراعي أو إعادة توزيع الثروة؛ بل كان في جوهره مشروع هندسة ديموغرافية مصممة بدقة، وسياسة تعريب عنصرية مدروسة بعناية ودراسة أمنية مفصلة برعاية، أعدتها الأجهزة السياسية و الأمنية والأستخباراتية في حكومتي الوحدة بين سوريا ومصر وحكومة البعث، وأتسعت دائرة تنفيذ تلك السياسات والبرامج والخطط عبر عدة مراحل متعاقبة، أستأنفت بوصول حزب البعث إلى السلطة في عام ١٩٦٣ الميلادي، ووصلت ذروتها بعد أنقلاب حافظ الأسد، ما يسمى بالحركة التصحيحية عام ١٩٧٠ الميلادي، استهدفت تلك السياسات الممنهجة الهوية والوجود الكردي السوري الأصيل في عقر داره، ذاك الشعب الذي كان يعيش بأمان وسلام على أرضه التاريخية.
اليوم، وبعد مرور نحو سنتين على سقوط النظام البائد وهروب رأسه، يجد المجتمع السوري نفسه في مواجهة الترتيبات الاجتماعية والسياسية لهذا الملف الشائك، وسط تصاعد الأصوات المحقة والمطالبة بإلغاء مفاعيل تلك السياسات العنصرية وإعادة الحقوق لأصحابها الحقيقيين، وهي أصوات تمتلك كامل المشروعيّة الحقوقية والأخلاقية والقانونية.
ومع ذلك، فإن مقاربة هذا الملف المعقد، بعد عقود من تطبيقه لا يمكن أن تتم عبر عدسات التجييش القومي أو القرارات الأرتجالية أو الحلول الفيسبوكية أو الأجراءات الجزئية والترقيعية. ينبغي لكل مهتم ومتابع أن يعي بأن الواقع على الأرض، أفرز تشابكات اجتماعية بالغة الدقة والحساسية. إن الأراضي التي صودرت من العشائر والملاكين والفلاحين الكرد وحُرم منها أصحابها الحقيقيين، لم تؤول فقط إلى مزارع الدولة تابعة للسلطة المركزية، بل جرى توطين آلاف العائلات العربية فيها ممن عُرفوا بالغمر إثر بناء سد الفرات، والذين تحولوا عبر جيلين أو ثلاثة إلى جزء عضوي من ديموغرافيا المنطقة ونسيجها اليومي. هذا بالإضافة إلى أنتفاع عدد من الأشخاص المتنفذين والمتعاونين مع الأجهزة الأمنية البعثية، وكذلك دخول شركات خاصة وعامة على خط الاستيلاء والانتفاع، كشركة النماء والغدق والقلمون والبحوث العلمية وإكثار البذار وإدارة المشاريع الإنتاجية التابعة لوزراة الدفاع، ونشوء سوق عقاري معقد ومتشابك، اشترى فيه مواطنون أراضٍ وبيوتاً بحسن النية.
من الناحية السياسية، يمثل ملف الحزام العربي حقل ألغام حقيقي وبرميل متفجر؛ إذ تحاول بعض الأطراف استغلاله كأداة للشحن العرقي والقومي بين الكرد والعرب، وتصوير المعركة على أنها صراع وجودي بين مكون أصيل ووافد مستوطن. إن أي محاولة لفرض حل إقصائي أحادي الجانب، مثل الطرد الجماعي للفلاحين العرب من المغمورين الذين ولدوا وعاشوا في هذه القرى، لن تؤدي إلا إلى إشعال فتنة أهلية وتوليد مظلمة جديدة تشرعن الأحقاد وتضرب استقرار الجزيرة السورية الغنية بفسيفسائها القومي والديني والمذهبي، من جهة ،ومن جهة أخرى بتنوعها وتجذرها العشائري العريق.
وفي المقابل، فإن الصمت عن هذا الملف أو ترحيله بدعوى الحفاظ على السلم الأهلي هو شرعنة لجريمة التغيير الديموغرافي وتكريس للغبن الإنساني والمادي الذي لحق بالشعب الكردي.
ومن هنا، فإن المخرج من هذا المأزق التاريخي لا يمكن أن يستند إلى العواطف أو الحلول الفوقية أو الترقيعية، بل يتطلب مأسسة عملية المواجهة والحل من خلال تأسيس هيئة وطنية مركزية مستقلة وخاصة بملف الحزام العربي وقوانين الأصلاح الزراعي وخاصة قانون التحرير والتوحيد.
إن هذه الهيئة المركزية المقترحة يجب أن ترتبط بنيوياً بالدولة السورية الجديدة، وتنبثق عنها لجان محلية فرعية على مستوى المناطق والقرى المستهدفة في المحافظات. وتتلخص مهمة هذه المنظومة المؤسساتية في إجراء دراسات ميدانية، واقعية، حقيقية، ودقيقة وعميقة تعتمد على المعاينة المباشرة والبحث التاريخي لكل المناطق الزراعية المستهدفة. ولضمان نجاح هذه الهيئة، يجب أن تتشكل من:
خبراء واختصاصيين في القانون العقاري، علم الاجتماع، والاقتصاد الزراعي.
شخصيات محلية سياسية ودينية وعشائرية، ممن عاصروا مشروع الحزام العربي ولهم تجربة مباشرة وتفاعل عن قرب مع تفاصيله وتشابكاته الميدانية على مدار العقود الماضية.
ستتولى اللجان المحلية مهمة النزول إلى الأرض، والاستماع إلى كل الأطراف المعنية من ملاكين وفلاحين كرد أصليين، ومغمورين وأشخاص مستفيدين وشركات خاصة وعامة المنتفعين، ومشترين بحسن النية، بهدف رسم خارطة بيانات دقيقة لكل قطعة أرض وتحديد طبيعة الإشغال الحالي. وبناءً على هذه الدراسات الميدانية العميقة، ترفع اللجان تقاريرها إلى الهيئة المركزية لتحديد جملة حلول مرنة وحالات تعويض خاصة بدلاً من الحلول الجاهزة والمعلبة التي قد تؤذي السلم الأهلي وتفتح جبهات تنزف فيها الامكانات والطاقات وتعمق من الشرخ المجتمعي .
إن هذه المقاربة المؤسساتية ستسمح بتطبيق استراتيجيات إنصاف حقيقية، مثل:
أولاً: الاعتراف السياسي والرمزي بالخطأ التاريخي وإعلان بطلان مشروع الحزام العربي وإلغائه، كخطوة لتهدئة الشارع ومداواة الجرح المعنوي للشعب الكردي.
ثانياً: أعتماد المقايضة الإيجابية والتعويضات العادلة لبعض الحالات المستعصية وصعبة الحل؛ بحيث يتم تقديم تعويضات مالية معقولة ومجزية توافق أسعار السوق الحالية للملاكين والفلاحين الكرد، أو منحهم أراضٍ بديلة ومشاريع استثمارية، مقابل تنظيم عقود إيجار للمستقرين في الأرض لمنع تشريدهم.
ثالثاً: تشجيع العودة الطوعية الكريمة للمغمورين من خلال توجيه صناديق إعادة الإعمار لتنمية وتأهيل حوض الفرات ومناطقهم الأصلية، لتقديم حوافز اقتصادية تجعل عودتهم خياراً جاذباً ومستداماً.
في الختام، إن نجاح السوريين في تفكيك عقدة الحزام العربي عبر هيئة وطنية علمية وعملية وميدانية، سيكون بمثابة الشهادة الحقيقية على ولادة سوريا الجديدة؛سوريا المواطنة والعدالة والمساواة والعيش المشترك. إن الهدف الأسمى ليس مجرد نقل ملكية قطعة أرض من يد إلى أخرى، بل اقتلاع جذور الظلم التاريخي وزرع بذور الثقة المتبادلة، لضمان أن تظل الجزيرة السورية نموذجاً للتنوع والتلاحم والاستقرار، لا ساحة لتصفية الحسابات الموروثة من عهد الأستبداد وإرثه التدميري.





