مقالات

لماذا تُقبل الدولة القومية للآخرين ويُرفض قيام دولة قومية كوردية؟

المحامي عبدالرحمن محمد

إلى أنصار ومؤيدي المشاريع السياسية العابرة للحدود، وإلى دعاة الاندماج في الدول التي تتقاسم جغرافية كوردستان: توقفوا لحظة أمام هذا التناقض السياسي والفكري، واسألوا أنفسكم سؤالاً جوهرياً: لماذا يُعترف بحق الشعوب الأخرى في إقامة دولها الوطنية والقومية، بينما يُعارَض حق الشعب الكوردي في تأسيس دولته المستقلة على أرضه التاريخية؟

انظروا إلى خريطة العالم المعاصر. فالولايات المتحدة الأمريكية تقوم على مفهوم الدولة الوطنية والشعب الأمريكي، وألمانيا تحمل هوية وطنية ألمانية، وتركيا تؤكد في بنيتها الدستورية والسياسية هوية الدولة التركية. وكذلك تتبنى دول عديدة مفاهيم وطنية وقومية تحدد من خلالها هويتها السياسية وسيادتها ومصالحها العليا، وإن اختلفت طبيعة أنظمتها الدستورية وتركيبتها القومية والاجتماعية.

فلماذا تصبح الدولة القومية حقاً مشروعاً للآخرين، وتتحول إلى مشروع مرفوض عندما يتعلق الأمر بالشعب الكوردي؟ ولماذا يُطلب من الكورد الاندماج في دول قائمة على هويات قومية ووطنية محددة، بينما يُنظر إلى مطالبتهم بدولة مستقلة باعتبارها خروجاً على الواقع السياسي أو تهديداً للاستقرار الإقليمي؟

إن هذا التناقض يطرح إشكالية عميقة تتصل بمفهوم العدالة السياسية والمساواة بين الشعوب في الحقوق. فلا يمكن الدفاع عن سيادة الدول القائمة وشرعية هوياتها الوطنية والقومية، وفي الوقت نفسه إنكار حق الشعب الكوردي في التعبير عن هويته القومية وتقرير مستقبله السياسي بحرية.

لقد تعرضت كوردستان، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، إلى التقسيم والإلحاق بدول إقليمية متعددة، وأصبحت القضية الكوردية رهينة سياسات ومصالح متعارضة. ومن هنا، فإن الدعوة إلى الاندماج في هذه الدول، من دون ضمانات دستورية وسياسية حقيقية تكفل الحقوق القومية للشعب الكوردي، تثير مخاوف مشروعة من تكريس الواقع الذي فرضته التحولات والاتفاقيات التاريخية على كوردستان.

وإذا كان الاندماج يُطرح اليوم باعتباره حلاً سياسياً، فمن الضروري تحديد طبيعته ومضمونه وأهدافه. فهل المقصود به إقامة شراكة سياسية متكافئة تحفظ الهوية الكوردية وحقوقها القومية؟ أم أن المطلوب هو التخلي التدريجي عن المشروع الوطني الكوردستاني لصالح الانصهار في هويات الدول القائمة؟

إن الفرق بين الشراكة الطوعية القائمة على الاعتراف المتبادل، وبين الاندماج الذي ينتهي إلى التبعية وإلغاء الخصوصية القومية، فرق جوهري لا يجوز تجاهله تحت أي شعار سياسي.

وفي هذا السياق، تبرز قضية شنكال بوصفها واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوجدان الكوردي، ولا سيما بعد المأساة الإنسانية التي تعرض لها الإيزيديون على يد تنظيم داعش. ومن منظور وطني كوردستاني، فإن أي مشروع يؤدي إلى إخضاع القرار السياسي والأمني في شنكال لقوى مسلحة خارج إرادة أهلها، بما فيها تشكيلات مرتبطة بالحشد الشعبي، يستدعي موقفاً واضحاً ومسؤولاً.

إن تضحيات الضحايا والشهداء، ومعاناة الناجين والناجيات، لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق في صراعات النفوذ الإقليمي. كما أن حماية شنكال وكرامة سكانها وحقهم في الأمن والإدارة والتمثيل السياسي يجب أن تتقدم على حسابات القوى والأحزاب والمشاريع العابرة للحدود.

ومن حقنا أيضاً أن نتساءل عن طبيعة الخطاب السياسي الذي يرفض استقلال كوردستان، أو يتعامل مع فكرة الدولة القومية الكوردية باعتبارها مشروعاً غير واقعي، بينما يتقبل استمرار خضوع الجغرافية الكوردستانية لسلطات دول قومية أخرى.

إن الاختلاف السياسي بشأن الوسائل الممكنة لتحقيق الحقوق القومية أمر مشروع، لكن تحويل الاندماج إلى خيار وحيد، وإقصاء فكرة الاستقلال من النقاش السياسي، يمثلان تضييقاً على حق الشعب الكوردي في اختيار مستقبله.

فحق تقرير المصير لا ينبغي اختزاله في ترتيبات إدارية محدودة أو تسويات مرحلية تفرضها موازين القوى. وهو حق يرتبط بإرادة الشعوب الحرة في تحديد وضعها السياسي، سواء عبر صيغ الحكم الذاتي والاتحادي والشراكة الدستورية، أو عبر الاستقلال حين تتوافر شروطه السياسية والقانونية.

ومن هنا، فإن من يدافع عن اندماج الكورد في الدول القائمة مطالب بتقديم إجابات واضحة: ما الضمانات التي تحول دون تكرار سياسات الإنكار والتهميش؟ وكيف يمكن حماية الهوية القومية الكوردية ولغتها وثقافتها وحقوقها السياسية؟ ومن يضمن ألا تتحول الاتفاقيات السياسية المؤقتة إلى أدوات لإعادة إنتاج التبعية بأشكال جديدة؟

إن التاريخ السياسي للشعوب يقدم دروساً لا يجوز تجاهلها. فقد خاضت شعوب كثيرة نضالات طويلة من أجل التحرر والاستقلال وإنهاء الاستعمار والاضطهاد. ولم تكن الدولة المستقلة بالنسبة إليها مجرد حدود جغرافية أو علم يرفرف فوق المؤسسات، بل تعبيراً عن السيادة الوطنية والقدرة على اتخاذ القرار السياسي بعيداً عن الهيمنة الخارجية.

ولذلك، فإن قراءة تاريخ الثورات وحركات التحرر الوطني، والاطلاع على القانون الدولي والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والشعوب، يشكلان ضرورة لفهم القضية الكوردية في سياقها التاريخي والقانوني.

لقد أقر ميثاق الأمم المتحدة مبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وحقها في تقرير المصير، وأكد العهدان الدوليان الخاصان بحقوق الإنسان هذا المبدأ. غير أن ممارسة تقرير المصير، ولا سيما في صورته الخارجية المرتبطة بالاستقلال، تظل مسألة قانونية وسياسية معقدة تتداخل فيها ظروف الشعوب ومبادئ القانون الدولي، بما فيها سلامة أراضي الدول.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل السؤال الأخلاقي والسياسي الذي تطرحه القضية الكوردية: لماذا تتمتع شعوب عديدة بحق بناء مؤسساتها الوطنية وتحديد مستقبلها السياسي، بينما لا يزال الشعب الكوردي موزعاً بين دول متعددة، ويواجه في أجزاء من وطنه التاريخي تحديات تتعلق بالاعتراف بهويته وحقوقه القومية؟

إن الدعوة إلى قراءة ميثاق الأمم المتحدة وتاريخ نشوء الدول ليست دعوة إلى استحضار النصوص القانونية فحسب، بل إلى فهم الكيفية التي تشكل بها النظام الدولي، ومدى اتساق ممارساته السياسية مع المبادئ التي يعلن الدفاع عنها.

وفي المقابل، فإن المشاريع السياسية العابرة للحدود، مهما رفعت من شعارات التحرر والديمقراطية وأخوّة الشعوب، لا يمكن إعفاؤها من المساءلة بشأن نتائج سياساتها على الأرض.

فالمعيار الحقيقي لأي مشروع سياسي ليس جمال شعاراته، وإنما مدى إسهامه في حماية الشعب الكوردي، وصون هويته القومية، وتعزيز قدرته على تقرير مصيره، ومنع توظيف قضيته في خدمة المصالح الإقليمية والدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن السياسات التي تنتهي إلى إضعاف المشروع الوطني الكوردستاني، أو ربط القرار الكوردي بمراكز نفوذ خارجية، تستحق نقداً سياسياً واضحاً، بصرف النظر عن الشعارات التي ترفعها القوى المتبنية لها.

ولا يكفي الادعاء بالدفاع عن الشعب الكوردي إذا كانت النتائج العملية تفضي إلى إضعاف استقلالية قراره السياسي، أو تجزئة إرادته الوطنية، أو تكريس تبعيته للقوى التي تتحكم بمصير مناطقه.

إن الانتماء القومي لا يُقاس بالشعارات وحدها، كما لا يجوز احتكاره من أي حزب أو تيار. لكن المسؤولية الوطنية تقتضي من جميع القوى الكوردية أن تقدم مصالح الشعب وحقوقه على المصالح الحزبية والحسابات الإقليمية، وأن توضح للرأي العام طبيعة علاقاتها وتحالفاتها والتزاماتها السياسية.

ومن أخطر ما يواجه القضية الكوردية اليوم احتمال تحول بعض مشاريع الاندماج، في حال غياب الضمانات الوطنية والدستورية، إلى امتداد سياسي لنتائج التسويات التاريخية التي أسهمت في تثبيت تقسيم كوردستان.

فمعاهدة لوزان عام 1923 كانت محطة مفصلية في إعادة رسم الترتيبات الإقليمية بعد انهيار الدولة العثمانية، وقد أسهم النظام السياسي الذي تكرس في أعقابها في استمرار غياب الدولة الكوردية المستقلة.

أما اليوم، فإن الخطر الذي ينبغي التنبه إليه لا يتعلق بالحدود الجغرافية وحدها، بل يمتد إلى الوعي القومي والذاكرة التاريخية والإرادة السياسية للأجيال القادمة.

فإذا كان التقسيم التاريخي قد فرض واقعاً جغرافياً وسياسياً معقداً، فإن أي مشروع يؤدي إلى إقناع الكورد بالتخلي عن حقهم في تقرير مصيرهم، من دون بديل يضمن حقوقهم القومية بصورة فعلية، قد يسهم في ترسيخ آثار ذلك الواقع داخل الفكر السياسي الكوردي نفسه.

ولهذا تبرز الحاجة إلى مساءلة مسارات التفاهمات السياسية المرتبطة بإمرالي وأنقرة وبغداد ودمشق، وفحص ما إذا كانت تؤسس لحلول عادلة ومستدامة للقضية الكوردية، أم أنها تعيد ترتيب موازين النفوذ الإقليمي على حساب المشروع الوطني الكوردستاني.

ولا ينبغي أن تكون هذه المساءلة قائمة على الاتهامات المجردة، وإنما على تحليل الاتفاقيات والمواقف والنتائج الفعلية، ومدى توافقها مع الحقوق والمصالح المشروعة للشعب الكوردي.

إن القضية الكوردية ليست مجرد ملف أمني أو ورقة تفاوض إقليمية، بل قضية شعب يمتلك هوية قومية وتاريخاً ولغة وثقافة، وله الحق في أن يقرر مستقبله السياسي بإرادته الحرة.

ومن هنا، فإن الدفاع عن استقلال كوردستان والدولة القومية الكوردية يمثل موقفاً سياسياً مشروعاً يستند إلى رؤية وطنية لحق تقرير المصير، شأنه في ذلك شأن النقاش حول الخيارات السياسية الأخرى التي ينبغي تقييمها وفق قدرتها على تحقيق الحقوق وضمان الحرية والكرامة.

وفي المحصلة، يبقى السؤال الذي يتعين على دعاة الاندماج الإجابة عنه: إذا كانت الدولة الوطنية والقومية إطاراً مشروعاً لحماية سيادة الشعوب الأخرى وهوياتها ومصالحها، فلماذا يُطلب من الشعب الكوردي وحده أن يتخلى عن طموحه في امتلاك دولته المستقلة؟

إن مستقبل كوردستان لا ينبغي أن يُحسم في عواصم الدول الإقليمية، ولا من خلال صفقات سياسية تتجاوز إرادة شعبها، وإنما عبر الاعتراف بحق الكورد في اختيار شكل نظامهم السياسي ومستقبلهم الوطني بحرية وكرامة.

فلا سلام عادل ومستدام من دون الاعتراف بالحقوق القومية، ولا حل حقيقي للقضية الكوردية من دون احترام إرادة الشعب الكوردي وحقه في تقرير مصيره.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى