خوشناف سليمان
تشهد أوروبا انخفاضاً ملحوظاً في معدلات المواليد وارتفاعاً في نسبة كبار السن، إلى جانب تصاعد النقاشات حول الهجرة والهوية الأوروبية، وما يرتبط بهذه التحولات من ضغوط على أنظمة التقاعد والخدمات العامة وميزانيات الدول. وقد أصبحت هذه القضايا محوراً أساسياً في خطاب أحزاب اليمين الراديكالي الأوروبي، التي تربط مستقبل المجتمعات بدعم الأسرة التقليدية وتشجيع الإنجاب وتشديد سياسات الهجرة. وتكشف الإحصاءات الرسمية عن حجم التراجع الديموغرافي؛ ففي عام 2025، بلغ معدل الخصوبة الكلي، أي متوسط عدد الأطفال لكل امرأة، 1.3 في ألمانيا، و1.1 في إيطاليا، و1.5 في فرنسا. وفي ظل هذه التحولات، برزت نساء في مواقع قيادية داخل أحزاب اليمين الراديكالي، الأمر الذي يطرح تساؤلاً حول العلاقة بين صعودهن السياسي والقضايا السكانية التي تتصدر أجندة هذه الأحزاب.
في ألمانيا، يدعو حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) إلى دعم الأسرة التقليدية وزيادة معدلات الإنجاب بين الألمان، إلى جانب تبني مواقف متشددة تجاه الهجرة، من بينها الدعوة إلى ما يُعرف بـ«الريميغراسيون» (Remigration)، أي مجموعة من الإجراءات التي يعرّفها الحزب بأنها تهدف إلى إعادة الأجانب الملزمين قانونياً بمغادرة ألمانيا إلى بلدانهم الأصلية. وفي هذا السياق، تبرز أليس فايدل، التي تتولى الرئاسة المشتركة للحزب، وكانت مرشحته لمنصب المستشار في الانتخابات الاتحادية عام 2025. وتكتسب تجربتها أهمية خاصة لكونها تقود حزباً يضع قضايا الأسرة والهجرة والهوية في صلب خطابه السياسي، كما تقدم نموذجاً لقيادة نسائية توظف هذه القضايا في خطاب يربط مستقبل المجتمع بتركيبته السكانية وهويته الألمانية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن التحديات الديموغرافية كانت سبباً مباشراً في صعودها السياسي.
أما في إيطاليا، فتبرز جورجيا ميلوني، التي أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ البلاد في أكتوبر 2022. وقد جعلت حكومتها دعم الأسرة وتشجيع الإنجاب من أولوياتها، من خلال مجموعة من الإجراءات المالية والاجتماعية، إلى جانب تعزيز خدمات رعاية الأطفال. ويأتي ذلك في وقت تسجل فيه إيطاليا أدنى معدل للخصوبة بين الدول الثلاث محل المقارنة، إذ بلغ متوسط عدد الأطفال لكل امرأة 1.1 عام 2025. وعلى خلاف الحالة الألمانية، لا تقتصر تجربة ميلوني على قيادة حزب وطرح مواقف سياسية، بل تمتد إلى إدارة الحكومة وتبني سياسات تتعلق بدعم الإنجاب. وبذلك، تقدم الحالة الإيطالية مثالاً على انتقال هذه القضايا من الخطاب الحزبي إلى أجندة العمل الحكومي.
أما في فرنسا، فتبرز تجربة ماري لوبان، التي قادت حزب التجمع الوطني بين عامي 2011 و2021، وأسهمت في توسيع حضوره السياسي والانتخابي. وقد ركز خطابها على الحد من الهجرة وتعزيز الهوية الفرنسية وتشجيع الإنجاب، وتضمنت برامجها الانتخابية مقترحات لتوسيع المزايا الضريبية والمساعدات الأسرية بهدف تشجيع الولادات. وبعد انتهاء رئاستها للحزب، واصلت حضورها السياسي والبرلماني، وكانت تتولى رئاسة الكتلة البرلمانية للتجمع الوطني في الجمعية الوطنية حتى 27 أكتوبر 2026. وعلى الصعيد الديموغرافي، سجلت فرنسا عام 2025 معدل خصوبة بلغ 1.5 طفل لكل امرأة، وهو أعلى من ألمانيا وإيطاليا، لكنه يمثل أدنى مستوى منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وتوضح التجربة الفرنسية تقاطع القضايا السكانية مع الحضور السياسي للمرأة في قيادة اليمين الراديكالي، وإن اختلف موقع لوبان السياسي عن فايدل وميلوني.
وتُظهر الحالات الألمانية والإيطالية والفرنسية اختلاف أدوار القيادات النسائية في اليمين الراديكالي، مع اشتراكها في توظيف قضايا الأسرة والإنجاب والهجرة والهوية الوطنية ضمن خطابها السياسي. ولا تعني الأزمة الديموغرافية أنها سبب مباشر لصعود هذه القيادات، كما أن حضور النساء في مواقع القيادة لا يعكس بالضرورة تحولاً في مواقف أحزابهن من حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين.





