مقالات

سيكولوجية العبودية الحزبية في روجآڤا

محمود أوسو

لو أراد عالم أن يدرس ظاهرة تقديس الأشخاص وتحويلهم إلى آلهة، فلا يحتاج إلى السفر إلى معابد الفراعنة أو إلى جبال الأولمب (جبال الآلهة الاثني عشر، حيث يسكن زيوس، كبير الآلهة).

يكفيه أن يحجز تذكرة إلى قامشلو، ويدخل إلى أقرب مجلس من مجالس الأحزاب الكردية في سوريا.

هناك سيرى المعجزة: قاعدة حزبية تحمل شهادات الدكتوراه والماجستير، تجلس بخشوع أمام قيادي لم يكمل دراسته، وما زال عقله وتفكيره لم يتحررا من العقلية العشائرية والخرافات، وتستمع إليه وهو يشرح لها الفلسفة والديالكتيك والجيوستراتيجية، وأفرادها يهزون رؤوسهم كأنهم أمام سقراط العصر.

إلى متى ستبقى قواعد الأحزاب الكردية في سوريا تعبد الأشخاص وتجعل منهم آلهة؟ إلى متى ستبقون القطيع الذي يقوده المرياع، والمرياع يمشي وراء الحمار؟ هذه ليست مقولة عابرة، بل هي دستوركم غير المكتوب الذي تسيرون عليه، وأنتم تظنون أنكم تسيرون نحو الحرية، بينما أنتم في طابور طويل خلف حمار يجركم إلى مزبلة التاريخ.

إلى متى سيبقى الجهل يعميكم، بينما يعتبر بعض الجالسين في المجالس أنفسهم فلاسفة العصر، ولكل واحد منهم لسان بطول مقاس الحذاء الذي يلبسه؟ تجلس مع أحدهم في مجلس من مجالس قامشلو، فيبدأ بالإفتاء في ماركس وهيغل والمسألة القومية والجيوستراتيجية، وهو لا يفرق بين الدستور والمنشور، ويتكلم بلسان طوله مقاس حذائه، رقم 45، وهو في الحقيقة حافي العقل!

وإلى متى يئن الحذاء من الألم، من كثرة ضربه على رؤوسكم الفارغة، حتى لم يبق منه إلا النعل؟ نعم، الحذاء نفسه اشتكى وتعب من كثرة ما استخدمتموه للضرب على رؤوسكم، لعلها تستيقظ، ولكن الرأس الفارغ، إذا ضربته بالحذاء، لا يمتلئ، بل يزداد فراغا! ولهذا، لم يبق من حذاء القضية إلا النعل المهترئ، وأنتم ما زلتم تضربون.

وإلى متى تستمر المشاجرات من أجل الزعيم، والزعيم لا يقدر القواعد بكيس من القمامة؟ تتقاتلون في المقاهي والمجالس، وتشتمون بعضكم بعضا، وتقطعون صلة الرحم من أجل صورة الزعيم، بينما الزعيم نفسه، لو مر بجانبكم، لما سلم عليكم، ولو احتجتم إلى كيس قمامة من بلديته، لما أعطاكم إياه، لأنه مشغول بعد الاشتراكات!

والزعيم يتقاضى راتبه من اشتراكات القواعد، ويقول لهم: أيها القواعد، افعلوا أي شيء، ولكن الاشتراك الشهري مقدس! وهو يعرف أنه إذا لم تدفعوا، فعلى حساب من ستقبض القيادة؟

هذه هي فلسفته العميقة التي تعلمها من معلمه الأول: افعلوا ما شئتم، تشاجروا، تخونوا، انشطروا، سبوا بعضكم بعضا على فيسبوك، ولكن في آخر الشهر ادفعوا! لأن القدسية ليست للقضية، ولا للشهيد، ولا للوطن، بل للاشتراك!

وهو يعرف جيدا أنه إذا لم تدفعوا، فمن أين سيأتي بثمن سيجارته وسفرته وسيارته؟

أيها القواعد، إلى متى ستبقون أسرى الثقافة العشائرية والريفية؟ تلبسون البدلات الأوروبية، وتحملون شهادات جامعية، ولكن عقولكم ما زالت في خيمة العشيرة، حيث الشيخ هو الإله والباقون عبيد!

القيادي يحمل شهادة الإعدادية، بينما أنتم جامعيون ودكاترة! يا حيف عليكم! ضعوا هذه الشهادات في رقاب الحمير، فعلى الأقل، إذا وقع الحمار في حفرة، فمن المستحيل أن يقع فيها مرة ثانية!

نعم، يا حيف عليكم، يا دكاترة ويا مهندسين ويا مثقفين! تجلسون أمام إعدادي لم يقرأ كتابا في حياته، وتقولون له: أمرك سيدي!

ضعوا شهاداتكم في رقبة حمار، فالحمار على الأقل يتعلم من حفرته ولا يقع فيها مرتين، بينما أنتم تقعون في الحفرة نفسها منذ ستين سنة، وتصفقون لحافرها!

القيادة تتاجر بالقضية علناً، وأنتم مستمرون في تقديم الهدايا لها. وإلا، فلماذا هذا التشتت والتشرذم والعدد الهائل من الأحزاب، حتى أصبحت لكل حارة في قامشلو حزبها؟ أليست هذه هي التجارة بعينها؟

كل واحد فتح دكان حزب، وعلق صورة زعيم، وبدأ يبيع الوهم للقواعد. لماذا هذا التشرذم إن لم تكن القضية قد أصبحت سوقا؟ لو كانت القضية قضية فعلا، لكان حزب واحد كافيا، ولكن لأنها تجارة، فكل حارة يجب أن يكون لها حزب، وكل حزب يجب أن يكون له قطيع يدفع!

لقد أصبح عددكم أكثر من البعوض الذي يزعج الإنسان، فلا يدعه ينام، ولا هو ينام!

نعم، أصبحتم كالبعوض، طنينا بلا نوم! لا أنتم تنجزون، ولا تدعون هذا الشعب المسكين ينام ويحلم بمستقبل. طنين في مؤتمرات فارغة، وبيانات لا تقرأ، وصور مع الزعيم!

عند أي حوار بين القواعد الحزبية، لا يتحاورون حول القضية، بل يتقاتلون من أجل القيادة، ويبدأ العراك بالرفس، لأنهم تعودوا السير وراء الحمير!

اسمعوا أنفسكم مرة واحدة حين تتحاورون. هل سمعتم يوما حوارا عن برنامج سياسي، أو عن الاقتصاد، أو التعليم، أو الحلول؟ لا! كل حوار يبدأ بعبارة: «زعيمنا أشرف من زعيمكم»، وينتهي بالرفس والشتائم، لأن من يسير وراء الحمير لا يتعلم إلا الرفس!

فلا تقولوا إن القيادة فاشلة؛ أنتم الفاشلون لأنكم تصفقون للقيادة!

نعم، أنتم الفاشلون، وليست القيادة! فالقيادة ناجحة جداً في جعلكم قطيعا يدفع ويرفس ويصفق.

أنتم من صنعتم آلهتكم من ورق، ثم عبدتموها!

فإذا قرأتم هذا المقال واهتزت الأرض تحت أقدامكم، فاعلموا أن العاصفة قادمة، وأن قلما حرا سيبقى يفضحكم حتى تخلعوا عباءة القطيع، أو تذهبوا أنتم ومرياعكم وحماركم إلى مزبلة واحدة!

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى