محمد شريف محمد
أتذكّر جيدًا، عندما كنا ناشطين في المجال السياسي، أو الحزبي إن صحّ التعبير، كيف كنّا نتبادل منشوراتنا مع أبناء جلدتنا فقط، وهم كذلك. وكنا على يقين بأن مصير كثير من تلك المنشورات سيكون، في الغالب، أسفل الفُرُش أو في صوبيا الحطب، ثم صوبيا المازوت لاحقًا، خوفًا من الملاحقة والمساءلة
كانت كلماتنا تدور داخل دائرتنا القومية، وكأننا نخاطب أنفسنا بأنفسنا، بينما بقيت قضيتنا بعيدة عن شرائح واسعة من المجتمعات الأخرى، التي كان من الممكن أن تتعرّف إليها وتفهمها وتساندها
وعندما قرّر أحدنا التفكير خارج الصندوق، وبدأ بالتواصل مع شباب من خارج الدائرة القومية الكوردية، بهدف بناء صداقات وكسب أصدقاء للكورد ولقضيتهم، كان يُنظر إلى ذلك أحيانًا على أنه خروج عن المألوف ومخالفة للقواعد التي اعتدنا عليها
لكن بعض الأشخاص والطلبة في الجامعات والناشطين والسياسيين اختاروا طريقًا مختلفًا، فعملوا على بناء علاقات مع أفراد من قوميات وشعوب أخرى، ونجحوا في كسب أصدقاء ومناصرين للقضية الكوردية. واليوم، فإن جزءًا من التضامن الذي تحظى به هذه القضية هو ثمرة جهود أشخاص آمنوا بأهمية الانفتاح، وفكّروا خارج الصندوق، واختاروا بعناية أصدقاء لهم ولقضيتهم، بدل الاكتفاء بمخاطبة من يتفقون معهم في الهوية والانتماء
أتذكّر أنه كان في منتدانا آنذاك شباب وشابات من قوميات أخرى ومن دول مختلفة. وحتى اليوم، لو دخلنا إلى صفحات بعضهم، فقد لا يخطر ببالنا أن أصحابها ليسوا من القومية الكوردية؛ فقد حملوا القضية في كتاباتهم، ودافعوا عنها، وجعلوها جزءًا من اهتماماتهم الإنسانية والسياسية
وهنا يبرز السؤال: هل نريد أن نكسب مزيدًا من المتعاطفين مع قضيتنا، أم أن نبقى نتبادل الخطاب فيما بيننا فقط
قبل نحو 2500 عام، قدّم الاستراتيجي الصيني صن تزو، في كتابه الشهير «فن الحرب»، أفكارًا عميقة حول فهم الخصم، ومعرفة البيئة المحيطة، وحسن التخطيط، واختيار الوسائل المناسبة لتحقيق الأهداف. ولا تزال أفكاره تُستحضر في مجالات القيادة والإدارة والتخطيط الاستراتيجي، بعيدًا عن المجال العسكري أيضًا
ومن الدروس التي يمكن أن نستفيد منها أن النجاح لا يعتمد على القوة وحدها، بل على فهم الواقع، ومعرفة الآخرين، وحسن اختيار الوسائل، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة
فصن تزو تناول خمسة عوامل أساسية في تقدير الموقف الاستراتيجي، هي القانون الأخلاقي، والسماء، والأرض، والقائد، والمنهج والانضباط. ويمكننا الاستفادة من هذه العوامل في العمل السياسي والحقوقي والمدني، من خلال توحيد الرؤية والقيم، وفهم الظروف المحيطة، ومعرفة طبيعة المجتمعات التي نخاطبها، وتحمّل المسؤولية، وتنظيم الجهود والموارد
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو المرونة في اختيار وسائل التواصل والتأثير. فكما يُستشهد بالماء في وصف القدرة على التكيف مع الأشكال والظروف المختلفة، من دون فقدان طبيعته، ينبغي لنا أن نكون مرنين في لغتنا وخطابنا وأدواتنا، من دون أن نتخلى عن مبادئنا أو حقوقنا.
وهنا أصل إلى سؤال أراه أكثر إلحاحًا اليوم: لمن تكتب أيها الكوردي؟
اليوم، تخاطب من يحرق سيارتك، ومن يقطع أشجار الزيتون في أرضك، ومن يرفض وجودك، ومن قد يجهل حقوقك أو لا يعرف حقيقة ما تتعرض له. فكيف توصل رسالتك إلى من لا يقرأ لغتك، أو لا يفهم خطابك أو لم تتح له الفرصة أصلًا للتعرّف إلى قضيتك؟
هل يكفي أن نكتب بلغتنا، ثم نتبادل منشوراتنا فيما بيننا، وننتظر من العالم أن يسمعنا ويفهمنا؟ وهل من المنطقي أن تبقى صور أشجار الزيتون المقطوعة، أو السيارات المحروقة، أو غيرها من الانتهاكات التي تستحق التوثيق والمتابعة، محصورة في صفحاتنا الكوردية؟
أم حان الوقت لنكتب بكل اللغات التي نستطيع الوصول إليها، ما دامت أدوات الترجمة والنشر الرقمي قد جعلت ذلك متاحًا أكثر من أي وقت مضى؟
لماذا لا نكتب بالعربية والكوردية والإنجليزية والتركية وغيرها من اللغات، بحسب طبيعة القضية والجمهور الذي نريد الوصول إليه؟ ولماذا لا ندعم منشوراتنا بوسوم مناسبة، ونشاركها مع الصحفيين والمنظمات الحقوقية والبيئية والمؤسسات المعنية، وكل جهة يمكن أن تسهم في إيصال الحقيقة أو حماية الحقوق؟
إن نشر صورة وحده قد لا يكون كافيًا، لكن صورة موثقة، مرفقة بمعلومات دقيقة عن المكان والتاريخ وطبيعة الواقعة، ومصحوبة بنص واضح بلغات متعددة، يمكن أن تمنح القضية فرصة أكبر للوصول إلى جمهور أوسع. كما أن توجيه المنشور إلى الجهات المعنية، بدل الاكتفاء بنشره في صفحاتنا الشخصية، قد يساعد على تحويل التفاعل الرقمي إلى اهتمام ومتابعة ومساءلة
لسنا بحاجة إلى أن نكسب إعجاب من يتفق معنا فقط؛ بل نحتاج أيضًا إلى الوصول إلى من يجهل قضيتنا، وإلى من يختلف معنا، وإلى من يستطيع التأثير في الرأي العام أو المساهمة في حماية الحقوق. فمخاطبة الآخرين لا تعني تبرير أفعالهم، ولا تعني التنازل عن حقوقنا، بل تعني أن نمنح الحقيقة فرصة للوصول إليهم، وأن نواجه الجهل بالمعلومة، والإنكار بالتوثيق والصمت بخطاب واضح ومسؤول
إن التحول الرقمي ليس مجرد استخدام للإنترنت أو نشر الصور والمنشورات؛ بل هو فرصة لإعادة التفكير في طريقة عملنا، وكيفية توثيق الانتهاكات، والوصول إلى جمهور أوسع، وبناء شبكات تضامن تتجاوز الحدود واللغات
فالرسالة الحقوقية التي نوجّهها إلى منظمة دولية قد تختلف في صياغتها عن رسالة موجهة إلى صحفي، أو إلى شاب لا يعرف شيئًا عن القضية الكوردية، أو إلى مؤسسة معنية بحماية البيئة. لكن الحقيقة التي نستند إليها والحقوق التي ندافع عنها يجب أن تبقى واضحة وثابتة
قد لا نستطيع تغيير موقف الجميع، وقد لا يستجيب كل من نخاطبه، لكننا نستطيع أن نوسّع دائرة المعرفة بقضيتنا وأن نمنع احتكار روايتنا من الآخرين وأن نبني جسورًا جديدة للتضامن والعمل المشترك.
إن القضايا العادلة تحتاج إلى أصحابها، لكنها تحتاج أيضًا إلى أصدقاء يؤمنون بعدالتها. والصديق الذي نكسبه اليوم خارج دائرتنا القومية قد يكون غدًا صوتًا ينقل قضيتنا إلى مكان لم نتمكن من الوصول إليه بأنفسنا.
أيها الكوردي لا تجعل حدود هويتك حدودًا لصداقاتك ولا تجعل لغتك سقفًا لقضيتك. اكتب للكوردي نعم ولكن اكتب أيضًا للعربي والتركي والفارسي والأوروبي ولكل إنسان يؤمن بالعدالة والحرية وحقوق الشعوب لا لأنك مطالب بإقناع الجميع بل لأن من حق قضيتك أن تُعرَف، ومن حق الآخرين أن يسمعوا روايتك، ومن واجبنا أن نبذل ما نستطيع لإيصال الحقيقة بوسائل سلمية ومسؤولة
فإذا كانت أدوات الترجمة والتواصل الرقمي متاحة أمامنا اليوم، فلماذا نبقى أسرى الأساليب القديمة؟ ولماذا لا نحوّل كل منشور موثق إلى فرصة للتوعية، وكل ترجمة إلى جسر للتفاهم، وكل وسم مناسب إلى وسيلة للوصول إلى جهة جديدة؟
المرونة ليست أن تغيّر مبادئك لتناسب الآخرين بل أن تغيّر وسائل إيصال مبادئك حتى تصل إلى الآخرين
لذلك قبل أن تسأل نفسك: ماذا أكتب اسأل أيضًا: لمن أكتب وبأي لغة وأين أنشر وكيف أجعل رسالتي تصل إلى من يستطيع فهمها والتفاعل معها؟
اكتب وترجم ووثّق وانشر وابنِ الجسور فربما تصل كلمة صادقة إلى مكان لم تستطع سنوات من الصمت أن تصل إليه
لمن تكتب أيها الكوردي؟ اكتب لأبناء شعبك، ولكن لا تنسَ العالم. فالقضية التي تبقى داخل حدود أصحابها قد لا يجد الآخرون فرصة لفهمها أما القضية التي تصل إلى ضمائر الناس وعقولهم، فقد تجد فيها ما يفتح أبوابًا جديدة للعدالة والتضامن
(ملاحظة: تمت مراجعة المقالة وتدقيقها لغويًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على مضمونها الأصلي وأفكارها ومقاصدها دون المساس بجوهر الرسالة)




