تصاريح وبيانات

بيان حول التعديلات على المناهج الدراسية السورية: لا لبناء التعليم على الإقصاء والتهميش

تتابع المنظمة الآثورية الديمقراطية بقلق بالغ التعديلات التي أُدخلت على المناهج الدراسية في سوريا، وما رافقها من تغييرات طالت حضور المرأة وحقوقها، ومضامين المواطنة والمشاركة الديمقراطية، والرموز التاريخية والحضارية السورية، فضلاً عن تعديلات تتعلق بقراءة التاريخ الوطني، وفي مقدمتها توصيف إيجابي للحقبة العثمانية، وإلغاء ذكرى السادس من أيار بكونه عيدا للشهداء.
وإذ تؤكد المنظمة ضرورة مراجعة المناهج وتطويرها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة، وتصحيح ما تضمنته من تمجيد للاستبداد أو تزييف للحقائق، فإنها تشدد على أن هذه العملية يجب أن تستند إلى معايير علمية وتربوية ووطنية جامعة، وألا تتحول إلى وسيلة لفرض رؤية أيديولوجية أو دينية أحادية على المجتمع السوري، أو إلى إعادة صياغة تاريخه بما يتجاهل تنوعه القومي والثقافي والديني.
أولاً: المرأة السورية شريك كامل في بناء المجتمع
إن التعديلات التي مست صور النساء والفتيات في الكتب المدرسية، من خلال حذف بعضها أو تغيير مظهرها بما يفرض نموذجاً واحداً للمرأة، تثير مخاوف جدية من تكريس رؤية تنتقص من مكانة المرأة ودورها وحقوقها وحريتها في الاختيار. فالمرأة السورية، بمختلف انتماءاتها الدينية والقومية والثقافية، شريك أساسي في بناء المجتمع، ولها الحق في المساواة والكرامة والحرية والمشاركة الكاملة في الحياة العامة.
ولا يجوز أن تتحول المناهج إلى أداة لفرض نمط اجتماعي أو ثقافي واحد، أو أن يُختزل حضور المرأة في مظهرها ولباسها، بدلاً من إبراز إسهاماتها العلمية والثقافية والسياسية والاجتماعية. فالتعليم الذي نريده هو الذي يعزز لدى الفتيات الثقة بقدراتهن، ويغرس لدى الأجيال احترام المرأة بوصفها مواطنة كاملة الحقوق.
ثانياً: حماية الذاكرة الوطنية وحقائق التاريخ
إن إلغاء ذكرى السادس من أيار، عيد الشهداء، أو تغييب دلالاتها الوطنية والتاريخية، يمثل مساساً بذاكرة السوريين وبإحدى المحطات التي ترمز إلى التضحية في سبيل الحرية والكرامة ومقاومة الاستبداد. وإن اختلفت القراءات السياسية للتاريخ، فلا يجوز محو المحطات التي أسهمت في تشكيل الوعي الوطني، بل ينبغي تقديمها للأجيال ضمن سياقها التاريخي والعلمي.
كما أن استبدال وصف «الاحتلال العثماني» بتوصيف أكثر تلطيفاً، مثل «الحكم العثماني»، يستدعي نقاشاً تاريخياً علمياً بعيداً عن الانتقائية السياسية. فدراسة الحقبة العثمانية ينبغي أن تتناول طبيعة الحكم وسياساته وآثاره على شعوب المنطقة، بما فيها ما تعرض له السوريون وغيرهم من شعوب الإمبراطورية من قمع واضطهاد وإعدامات، من دون تبرئة أو شيطنة مسبقة، ومن دون إخضاع كتابة التاريخ لحسابات العلاقات السياسية الراهنة.
ثالثاً: تغييب وحذف رموز من تاريخ سوريا والمنطقة
إن تغييب شخصيات ورموز تاريخية وحضارية، مثل الملكة زنوبيا، ملكة تدمر، وصورة المغنية الكاهنة اورنينا الشهيرة في تاريخ مدينة ماري الأثرية بالأف الثالث قبل الميلاد.، وحمورابي صاحب المدونة القانونية البابلية الشهيرة، أو إزالة صورهما وآثارهما من الكتب المدرسية، لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً شكلياً. فهذه الشخصيات والرموز تمثل صفحات أساسية من تاريخ سوريا وبلاد الرافدين، ومن تاريخ الحضارة الإنسانية عموماً.
إن تاريخ سوريا لا يبدأ مع مرحلة دينية أو سياسية بعينها، ولا يجوز اختزاله في حقبة واحدة أو حضارة واحدة. فهو تاريخ متراكم ساهمت في صياغته حضارات وشعوب متعددة، ومن حق الأجيال السورية أن تتعرف إلى هذا الإرث المتنوع بوصفه جزءاً من تاريخها المشترك.
رابعاً: سوريا لجميع أبنائها، ومناهجها يجب أن تعكس هذا التنوع
إن التوجه نحو تغليب منظور ديني واحد على حساب التنوع التاريخي والثقافي للمجتمع السوري، وما يرافقه من تغييب لبعض الرموز الحضارية والفنية، يثير مخاوف من تحويل المناهج إلى أداة لإعادة تشكيل الهوية الوطنية وفق رؤية ايديولوجية احادية تتناقض مع واقع الهوية والثقافة السورية الوطنية المتسمة تاريخيا بالانفتاح والتنوع .
وتؤكد المنظمة الآثورية الديمقراطية أن السوريين، بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والثقافية، شركاء في الوطن والتاريخ والمستقبل، وأن المناهج الدراسية ينبغي أن تكون جسراً للتعارف والتفاهم والعيش المشترك، لا وسيلة لتعميق الانقسامات أو فرض هوية أحادية على المجتمع.
خامساً: إصلاح المناهج مسؤولية وطنية وتربوية
إن تطوير المناهج ليس مجرد عملية حذف وإضافة للصور والنصوص، بل هو مشروع وطني يتصل بتكوين وعي الأجيال الجديدة، وبقدرتها على فهم حقوقها وواجباتها، واحترام التعددية، وممارسة التفكير النقدي، والمشاركة في الحياة العامة.
ومن هنا، فإن حذف موضوعات تتعلق بالمواطنة والإدارة المحلية والمشاركة الديمقراطية والإعلام، وفق ما أظهرته المقارنات المنشورة للكتب المدرسية، يثير تساؤلات حول مدى انسجام هذه التعديلات مع الحاجة إلى بناء دولة المواطنة والقانون والمؤسسات.
إن المنظمة الآثورية الديمقراطية، انطلاقاً من إيمانها بسوريا حرة ديمقراطية تعددية، تؤكد أن بناء الدولة الجديدة لا يتحقق باستبدال أيديولوجيا بأخرى، ولا بمحو صفحات من التاريخ أو تهميش حقوق المرأة أو إقصاء مكونات المجتمع، بل ببناء دولة المواطنة المتساوية التي تحترم الحريات العامة، وتصون التنوع، وتحتكم إلى العلم والقانون والمؤسسات.
المنظمة الاثورية الديمقراطية

المكتب التنفيذي

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى