هل الإنشقاقات هي التي ستُنهي الحزب الكردي الكلاسيكي أم تداعيات الواقع الجديد ؟؟
بقلم الكاتب
فرحان خ كلش
إنّ موضوعة الانشقاقات الحزبية قديمة قِدَم الحركة الحزبية، بل وكانت مرادفة لها، وجزء من سيرورتها وتكوينها الفكري، حتى أضحت الحزبية كردياً، تتمدد أفقياً بالمعنى الكمّي، داخل المجتمع الكردي، دون القدرة على بناء ذلك الحزب الجماهيري الجامع، المتماسك تنظيمياً وسياسياً، وباتت الأحزاب، لكثرة تشابه أسمائها تختلط معرفتها على الناس، فتحولت إلى أملاك خاصة، مدونة على أسماء سكرتيرياتها، وغابت أسماء الكثير من الأحزاب، وتم تبديلها باسم السكرتير في الوسط الجماهير، وبذلك بات الحزب والسكرتير متطابقان تماماً، بل بات الحزب خاضع لمزاج ومصالح ورؤى السكرتير، المتماهي مع بعض الوجوه التي تماثله في الصفوف الأولى، يرسمون خط الحزب من بداية تشكيله إلى لحظة مغادرة السكرتير، إما بالاحتفاظ بجزء من هذا الحزب الذي ينشق على نفسه ويفرخ أحزاباً، أو إلى المقبرة بحكم الحتمية الإلهية.
ورغم مرور أكثر من نصف قرن من عملية إجتراء أحزابنا لإنشقاقات متوالية بحجج لا تخرج من منطق التفاهة السياسية، وإخراج فوتوكوبيات تنظيمية لا يختلف المخروج السياسي-التنظيمي من أُسه في شئ، مع الدخول في لعبة تدوير أسماء هذه الأحزاب وسكرتيرييها و غالباً حفنة من المريدين السائرين كالبُلهاء في ركب لعبة التكاثر الفئراني سياساً هذا، حقيقة، لم يتعظ الخلف من سقطات السلف، بل زاد في اللعبة قواعداً أكثر غموضاً، فإذا انشقت أحزاب البدايات بحكم الإنتماءات الفكرية الدارجة في تلك المرحلة، فإن إنشقاقات الراهن تندرج ربما في قاموس تأسيس المِلْكيات والكيانات الخاصة، كبدائل عائلية وعشائرية للشخص القائد.
وهنا، حيث باتت نتائج هذا الفعل الإنحرافي واللامسؤول تشكل الضرر الأكبر للقضية الكردية، ومستقبلها، باتت مسألة توحيد صفوف الحركة الحزبية الكردية استحالة ذاتية، طالما كنا هنا نركز على العامل الذاتي لهذا المرض العضال في الحركة الحزبية، الذين وللأمانة لم يستطع أن ينهيها، بل كان بمثابة رش مبيد التكاثر في رؤوس قياداتها.
ولكن، وبحكم التحولات التي تشهدها البلاد، هل ستدفع هذه الأحزاب الضريبة عن مجمل ممارساتها السياسية والتنظيمية، و سيتفكك جلّها، و ستضطر إلى البحث عن موانئ آمنة لممارسة دورها الوظيفي السابق، أم لن تجد مفراً من تدمير ذاتها بالمعنى البنائي للتدمير لتجد لذاتها توافقاً واقعياً مع التطورات التي فاجأتها وستضغط عليها ضمن عمليات التغيير المفترضة؟؟
هذه أسئلة اللحظة، وليست أسئلة ترفية مطلقاً، فسلطة دمشق لها نظرتها إلى استخراج نسختها الخاصة من المجتمع السوري ككل، والأحزاب الكردية كونها حراك تنظيمي وسياسي لجزء من المجتمع السوري، والذي هو الشعب الكردي بطبيعة الحال، ليس بمنأى عن هذه النظرة،
فإنْ استمرت هذه السلطة، ولاقت ترفية إصدار قانون للأحزاب، في لحظة ما، فمن المؤكد ستجد الأحزاب الكردية نفسها أمام واقع جديد، فأي قانون سيُخضع هذه الأحزاب، لجملة شروط، كعدد الأعضاء مثلاً، وهذه النقطة البسيطة كفيلة بتفتيت تسعين بالمائة منها، فضلاً عن شروطه في (المسألة الوطنية)، كتواجد أي حزب مرخص في كل الساحة المجتمعية السورية، وحدود تسميته هي حدود الجغرافيا السورية، والتي ستشكل العبء الأكبر، وتحتم على هذه الأحزاب، حتى تغيير أسمائها.
في الواقع هذا كله ممكن، ولكن المسألة الأصعب تكمن فيما لو أرادت السلطة تأسيس حزبها الخاص في مناطق الكرد، وغالباً سيكون هذا الحزب ذات توجه ديني، والذي حتماً سيتوافق مع بنائها الفكري، وهذه النقطة ستضع أحزابنا في خضم معركة وجودية سياسياً، حيث يغلب الطابع العلماني على أغلب أحزاب الحركة الكردية.
وما هو ليس بخاف، أن الأرضية الفكرية للإنضمام إلى حزب السلطة المفترض هذا، موجودة في بنية المجتمع الكردي، وإن لم تبرز في المرحلة الماضية لأسباب متعددة،
وما هو مؤكد، أن الحركة الحزبية الكردية أمام إمتحان صعب، فإمّا أن تبحث عن حلول من داخلها، وإمّا أن تجرفها تداعيات المرحلة المقبلة.
إنّ الصعلكة السياسية السابقة سكرتيرياً زائلة، و الحدود وتسويرات الحزب آيلة للتكفير بها، طالما الواقع الجديد يعاكس آلية ممارسة السياسة سابقاً، وربما يكون البحث الفرداني عن حل سيكون بمثابة تدوير الفذلكة السياسية، في لحظة من الضرورة والمنفعة العامة للشعب الكردي، البحث المسؤول عن حالة تكييف مثمرة تنتج حزباً كردياً Rojava وياً، تستند إلى خطايا الماضي لتؤسس لحزب مؤسساتي، برؤية سياسية واضحة، للولوج إلى حالة تدفق التغييرات في المنطة، ودون ذلك ستبقى أحزاب البارحة مرض الغد.