دلاور زنكي
تنهض هذه السيرة من عمق الذاكرة كما ينهض الضوء من بين طبقات الغبار؛ لا لتستعيد اسمًا مضى فحسب، بل لتعيد إلى الحاضر صورة رجلٍ لم يكن عابرًا في زمنه، ولا هامشًا في تاريخ قومه، ولا صوتًا ذاب في ضجيج الأحداث. إننا هنا أمام حياةٍ تشبه الوثيقة، وأمام رجلٍ تشبه سيرته مرآةً لمرحلة كاملة من تاريخ الكرد في سوريا والمنطقة؛ مرحلةٍ تداخل فيها الدين بالسياسة، والتصوف بالمقاومة، والبيت العلمي بالسؤال القومي، والذاكرة العائلية بالمصير الجماعي.
فالشيخ محمد عيسى لم يكن عالمًا منغلقًا على محرابه، ولا رجل دينٍ اكتفى بوعظ الناس من بعيد، ولا مناضلًا سياسيًا بالمعنى الحزبي الضيق؛ بل كان واحدًا من أولئك الرجال الذين اجتمعت فيهم هيبة العلم، وصفاء الروح، وصرامة الموقف، وحرارة الانتماء. كان ابنَ بيئةٍ علميةٍ وروحيةٍ عريقة، خرجت من أحضان الطريقة النقشبندية، ومن ذاكرة الشيخ محمود القره كوي، ومن ذلك الامتداد التاريخي الذي ارتبط بثورة الشيخ سعيد بيران، بما حملته من ألمٍ كرديٍّ عميق، ومن جرحٍ لم يكن سياسيًا وحده، بل كان جرح هويةٍ وكرامةٍ ووجود.
تبدأ أهمية هذا الكتاب من عنوانه نفسه: «الشيخ محمد عيسى (سيرة عالم… ومسيرة مناضل)». فالعنوان لا يكتفي بتقديم حياة رجل، بل يقيم منذ البدء ثنائيةً دالّة: السيرة والمسيرة. السيرة هي حياة الفرد في تفاصيلها، في نشأته، وتكوينه، وتجاربه، ومحنه، ومواقفه. أما المسيرة فهي ما يتجاوز الفرد إلى المعنى العام؛ إلى الطريق الذي سار فيه، وإلى القضية التي حملها، وإلى الذاكرة التي أصبح جزءًا منها. فالكتاب، بهذا المعنى، لا يكتب عن الشيخ محمد عيسى وحده، بل يكتب من خلاله عن زمنٍ كامل، وعن جيلٍ كامل، وعن مرحلةٍ شديدة التعقيد من تاريخ الكرد في سوريا والمنطقة.
إن قيمة هذا الكتاب الكبرى أنه لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يقدّمها في سياقها. فهو يبدأ من الجذر، من الشيخ محمود القره كوي، لا بوصفه أبًا بيولوجيًا للشيخ محمد عيسى فحسب، بل بوصفه أصلًا روحيًا ومعرفيًا يفسّر الكثير من ملامح الابن. فالرجال الكبار لا يولدون من فراغ؛ إنهم ثمرة بيوت، وطرق، ومجالس، ومحن، وأزمنةٍ تصوغ في داخلهم معنى الرسالة. ومن هذا البيت الذي جمع بين العلم والتقوى والكرامة، خرج الشيخ محمد عيسى حاملًا وعيًا مبكرًا بأن الدين، حين يكون حيًا، لا ينفصل عن نصرة المظلوم، وأن العالم، حين يكون صادقًا، لا يستطيع أن يقف متفرجًا أمام إهانة الإنسان.
ولذلك تبدو علاقة الكتاب بثورة الشيخ سعيد بيران 1925م علاقةً تأسيسية لا عرضية. فهذه الثورة لم تكن، في الذاكرة الكردية، حادثةً عسكريةً عابرة، بل كانت لحظةً مفصلية كشفت التوتر العميق بين سلطةٍ تريد صهر الهويات وإلغاء الخصوصيات، وشعبٍ يريد أن يحفظ لغته وكرامته وذاكرته. في ظل هذه الخلفية تتضح نشأة الشيخ محمد عيسى، ويتضح لماذا تحوّل العلم عنده إلى مسؤولية، والورع إلى موقف، والذاكرة إلى التزام.
ويعرض الكتاب، بعد ذلك، رحلة الشيخ محمد عيسى في الوعي والعمل؛ من الخطوات الأولى، إلى تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا سنة 1957، وهي محطةٌ لا يمكن المرور بها سريعًا. فوجود رجلٍ بعمامة الشيخ ومكانته الدينية في قلب هذه الولادة السياسية يكشف عن خصوصية التجربة الكردية؛ حيث لم يكن الدين، في صورته الأصيلة، خصمًا للوعي القومي، ولا حاجزًا أمام العمل العام، بل كان في حالاتٍ كثيرة منبعًا أخلاقيًا للثبات، وسندًا للكرامة، وقوةً روحيةً في وجه القهر.
إن تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، كما يرد في سياق الكتاب، ليس مجرّد حدث تنظيمي، بل هو انتقالٌ من ذاكرة الألم إلى صياغة الفعل، ومن الشعور المبعثر إلى الوعي المؤسَّس، ومن المجالس المغلقة إلى الساحة العامة. وهنا تظهر شخصية الشيخ محمد عيسى بوصفها جسرًا بين جيلين: جيل العلماء والمتصوفة الذين حملوا الذاكرة، وجيل السياسيين والمناضلين الذين سعوا إلى تحويل تلك الذاكرة إلى برنامجٍ وموقفٍ ومسار.
ولا تقلّ أهمية المحطات العراقية والكردستانية في الكتاب عن المحطات السورية. فالذهاب إلى العراق، واللقاء بالبارزاني، والانخراط في هموم كردستان الأوسع، كل ذلك يكشف أن الشيخ محمد عيسى لم يكن حبيس رقعةٍ محلية، بل كان يرى القضية الكردية بوصفها جرحًا واحدًا موزّعًا على خرائط متعددة. فالكردي في سوريا لم يكن منفصلًا عن الكردي في العراق أو تركيا أو إيران؛ كانت الحدود السياسية تقطع الأرض، لكنها لم تستطع أن تقطع الذاكرة، ولا أن تفصل المصير عن المصير.
ومن أجمل ما يمنحه هذا الكتاب للقارئ أنه لا يرسم الشيخ محمد عيسى في صورةٍ جامدة أو أحادية. فهو عالم، لكنه ليس منقطعًا عن الناس؛ وهو رجل طريقة، لكنه لا يهرب من التاريخ؛ وهو مناضل، لكنه لا يفرّط بوقار العلم؛ وهو سياسي بمعنى الموقف، لا بمعنى المناورة. في شخصيته تتقاطع الطمأنينة الروحية مع قلق القضية، ويتجاور صوت الذكر مع نداء الحرية، وتلتقي خشونة الطريق بصفاء الإيمان.
لذلك تبدو السيرة هنا كأنها مشهدٌ واسعٌ تتحرك فيه شخصياتٌ وأحداثٌ وبلدانٌ ومراحل. فالكتاب لا يقدّم الشيخ وحده، بل يقدّم من حوله عالمًا كاملًا: علماء، مشايخ، مناضلين، قيادات كردية، عائلات، قرى، مدن، أجهزة سلطة، سجون، منافي، مجالس، شهادات، قصائد، وصورًا تحفظ ملامح زمنٍ كان يمكن أن يضيع لو لم يُدوَّن. ومن هذه الكثافة تنبع أهمية العمل: إنه لا يحفظ اسم الشيخ محمد عيسى فحسب، بل يحفظ شيئًا من روح المرحلة التي عاشها.
ويتوقف الكتاب عند الكرد في زمن الوحدة، ثم عند مرحلة الانفصال والانتخابات النيابية، ثم عند حكم حزب البعث، وهي محطاتٌ لا تخص الشيخ وحده، بل تخص التاريخ السوري كله. غير أن خصوصية هذا العمل أنه ينظر إلى تلك المراحل من زاوية كردية، زاويةٍ كثيرًا ما همّشتها الكتابات الرسمية أو اختزلتها أو ألغتها. فالقارئ هنا لا يقرأ تاريخ السلطة من فوق، بل يقرأ أثرها في الناس، في الذاكرة، في اللغة، في الخوف، في التنظيم، وفي محاولات البقاء.
كما يضيء الكتاب دور الطريقة النقشبندية في الثورات الكردية، وهي مسألةٌ ذات دلالة عميقة. فالطريقة هنا ليست مجرد بنيةٍ صوفيةٍ للعبادة والتزكية، بل شبكةٌ روحية واجتماعية أسهمت في حفظ الوعي والكرامة، وفي ربط الدين بالسلوك، والسلوك بالموقف، والموقف بمسؤولية الجماعة. ومن خلال هذا المحور، يذكّرنا الكتاب بأن كثيرًا من الثورات في الشرق لم تخرج من الأيديولوجيا الحديثة وحدها، بل خرجت أيضًا من الزوايا، والكتاتيب، والطرق، وبيوت العلماء، ومن تلك الطاقة الأخلاقية التي تجعل الإنسان يرى الظلم انحرافًا عن الدين والإنسانية معًا.
ويزداد الكتاب ثراءً حين يضمّ شهادات أبناء المرحلة، وإضاءاتٍ عن شخصياتٍ وطنيةٍ بارزة، وأحداثٍ ووقائع، ومناهج دراسية، وملحقًا للصور. فهذه العناصر لا تأتي في آخر الكتاب بوصفها زياداتٍ تكميلية، بل بوصفها طبقةً أخرى من طبقات الذاكرة. إن الشهادة تمنح السيرة حرارة الإنسان، والصورة تمنحها وجهًا، والوثيقة تمنحها ثباتًا، والتحليل يمنحها معنى. وباجتماع هذه العناصر، لا يعود الكتاب مجرد حكاية، بل يصبح سجلًا حيًا لرجلٍ وزمنٍ وقضية.
إن الشيخ محمد عيسى، كما يتشكّل في هذا العمل، رجلٌ من طينةٍ نادرة؛ طينة أولئك الذين لا يرفعون أصواتهم كثيرًا، لكن حضورهم يبقى عميقًا. لم تكن قوته في الصخب، بل في الثبات؛ ولم تكن مكانته في المنصب، بل في الوقار؛ ولم يكن تأثيره في السلطة، بل في الضمير. وهذا هو الفرق بين رجلٍ يمرّ في التاريخ، ورجلٍ يترك في التاريخ أثرًا.
وإذا كان الوفاء للأعلام واجبًا أخلاقيًا، فإن تدوين سيرة الشيخ محمد عيسى يتجاوز الوفاء إلى الضرورة. فالأمم التي تهمل سِيَر رجالها الكبار تترك تاريخها فريسةً للآخرين. والذاكرة التي لا تُكتب تُشوَّه، أو تُمحى، أو تُختزل في روايات ناقصة. من هنا يأتي هذا الكتاب بوصفه فعل إنقاذ: إنقاذٍ لاسمٍ من النسيان، ولمرحلةٍ من التبسيط، ولتجربةٍ من الضياع والتشويه.
لقد أحسن معدّو هذا العمل حين جعلوه قائمًا على الجمع بين السيرة، والمذكرات، والشهادات، والإضاءات التاريخية، والملحقات. فالشخصية التي يتناولها الكتاب لا تكفيها روايةٌ واحدة، لأنها شخصيةٌ متعددة الأبعاد. ومن أراد أن يفهم الشيخ محمد عيسى، فعليه أن يراه في بيت والده، وفي ذاكرة الشيخ سعيد، وفي الحزب الديمقراطي الكردي، وفي العلاقة مع البارزاني، وفي زمن الوحدة والانفصال، وفي حكم البعث، وفي كردستان، وفي الشعر، وفي شهادات الذين عرفوه، وفي الصور التي تحفظ وقار الأزمنة الصعبة.
وهكذا يتحوّل الكتاب إلى أكثر من سيرة. إنه مدخلٌ إلى فهم العلاقة بين العالم والمناضل، بين الدين والحرية، بين التصوف والكرامة، بين الكردي وسؤاله التاريخي، بين سوريا وتعددها المؤجل، وبين الإنسان وقدرته على أن يجعل من حياته موقفًا لا يساوم.
إن القارئ، وهو يتنقل بين صفحات هذا العمل، سيجد نفسه أمام سؤالٍ كبير: ما الذي يبقى من الإنسان بعد رحيله؟ والجواب الذي تمنحه سيرة الشيخ محمد عيسى واضحٌ وقوي: يبقى منه ما أعطاه للناس، وما حفظه من كرامتهم، وما صانه من ذاكرتهم، وما تركه من أثرٍ في النفوس. فالرجال لا يُقاسون بطول أعمارهم، بل بعمق ما أضاءوه في عتمة أزمنتهم.
ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب: إنه لا يكتفي بأن يقول لنا من كان الشيخ محمد عيسى، بل يعلّمنا لماذا ينبغي أن نتذكره. فهو واحدٌ من أولئك الذين جمعوا بين العلم والعمل، بين الإيمان والحرية، بين التقوى والشجاعة، وبين هدوء العالم وصلابة المناضل. وفي سيرته درسٌ للأجيال: أن الكلمة قد تكون مقاومة، وأن الذاكرة قد تكون وطنًا، وأن العالم إذا وقف مع الحق صار في التاريخ أمةً صغيرةً تمشي على قدمين.
رحم الله الشيخ محمد عيسى، وجزى الله خيرًا كل من أسهم في حفظ سيرته وإخراجها إلى النور. فمثل هذه الكتب لا تُكتب بالحبر وحده، بل تُكتب بالوفاء، وبالشعور العميق بأن الذاكرة أمانة، وأن التاريخ إذا لم ننصف رجاله، أنصفهم الصمت بعد حين، ولكن بعد أن نكون قد خسرنا كثيرًا من معنى الوفاء.
وقد استندت هذه المقدمة إلى بنية الكتاب ومحتوياته، ولا سيما تقسيمه إلى أربعة أجزاء: سيرة الشيخ محمود القره كوي وعلاقته بالشيخ سعيد بيران، ثم رحلة الشيخ محمد عيسى ومذكراته ومحطاته السياسية، ثم الإضاءات التاريخية والوطنية، ثم شهادات أبناء المرحلة وملحق الصور.



