مقالات

الحركة السياسية الكوردية في سوريا: انقسامات متلاحقة وقضية تدفع الثمن! قراءة نقدية

حسن قاسم
شيء يدعو إلى الأسف والخذلان، بل إلى مراجعة جادة لكل ما وصلت إليه الحركة السياسية الكوردية في سوريا. فلو ألقينا نظرة على مسيرتها خلال السنوات الأربع الماضية، لوجدنا أن الانقسامات والخلافات الداخلية والتراجع في الأداء السياسي قد تحولت إلى ظواهر متكررة، تثير تساؤلات جدية حول مستقبل هذه الحركة وقدرتها على تمثيل تطلعات الشعب الكوردي والدفاع عن حقوقه القومية والوطنية.
لن نستعرض هنا جميع التفاصيل، لكن ما شهدته بعض الأحزاب والتيارات يكفي للدلالة على عمق الأزمة. فقد خسر حزب الوحدة، جناح شيخ آلي، وفق المعطيات المتداولة، أكثر من نصف أعضائه وعدداً من كوادره البارزة. وعانى حزب البارتي من انشقاقات متكررة، حتى بات الاسم الواحد يُستخدم من قبل عدة أحزاب متنافسة. كما شهد جناح أحمد سينو انقساماً داخلياً في مؤتمره الأخير، فيما تراجع حضور حركة البناء عملياً، بعد عودة مصطفى جمعة إلى حزبه السابق الذي عُرف بأحد أجنحة آزادي.
ولم تتوقف الخلافات عند هذا الحد؛ فقد غادر سيامند حاجو رئاسة تيار الحرية، فيما انقسمت الأطر القيادية المحيطة بشلال كدو، الذي اتجه إلى تشكيل حزب يحمل اسم الوسط، الأمر الذي دفع اللجنة المركزية التي بقيت في الحزب الأصلي إلى اتخاذ قرار بفصله والدعوة إلى محاسبته، بحسب ما ورد في رواية الخلاف.
أما ما يجري داخل حزب يكيني الكوردستاني، من انقسام إلى ثلاث كتل متصارعة وفق المعطيات المطروحة، فيثير مخاوف من اتساع دائرة التشرذم، في وقت يفترض فيه أن تكون وحدة الصف أولوية تتقدم على الحسابات التنظيمية والشخصية.
وإذا انتقلنا إلى أحزاب الوحدة الوطنية المرتبطة بالإدارة الذاتية، نجد أن التحولات السياسية والمالية التي شهدتها المنطقة تطرح تساؤلات حول مستقبل هذه الأحزاب ومدى استقلالية قرارها. كما أن حزب الاتحاد الديمقراطي، رغم التراجعات الميدانية والسياسية التي تعرض لها، يواجه أسئلة جدية بشأن طبيعة الشراكة التي يقبل بها في إدارة روجافاي كوردستان، ومدى استعدادِه لتقاسم القرار مع القوى الكوردية الأخرى على أساس التعددية والتوافق.
وفي المقابل، فإن أحزاب المجلس الوطني الكوردي ليست بمنأى عن النقد؛ إذ إن المشاركة السياسية والحصول على مقاعد في المؤسسات التمثيلية لا ينبغي أن يكونا بديلاً عن وضوح المشروع القومي، أو عن العمل الجاد لتوحيد الموقف الكوردي والدفاع عن الحقوق الدستورية للشعب الكوردي في سوريا.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: معظم هذه الأحزاب ترفع شعار وحدة الصف الكوردي في برامجها وتصريحاتها، بينما تكشف ممارساتها التنظيمية عن انقسامات متلاحقة وصراعات على القيادة والتمثيل والنفوذ.
فكيف يمكن لحركة سياسية تعجز عن معالجة خلافاتها الداخلية أن تقنع الآخرين بقدرتها على بناء شراكة وطنية متوازنة والدفاع عن قضية شعب بأكمله؟
أين تكمن أسباب الأزمة؟
هل يعود ذلك إلى المال السياسي الذي قد يحوّل بعض التنظيمات إلى كيانات مرتبطة بمصادر تمويلها أكثر من ارتباطها بقواعدها الشعبية؟ أم إلى تضخم دور القيادات وتمسك بعضها بمواقعها، وغياب التداول الديمقراطي للمسؤوليات؟ أم إلى ضعف المؤسسات الحزبية، وغياب آليات واضحة لحل الخلافات، وتحول الاختلاف في الرأي إلى صراع ينتهي بالانشقاق؟
أم أن المشكلة أعمق من ذلك كله، وتتمثل في أزمة فكر سياسي لم يستطع مواكبة التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا والمنطقة، ولا سيما بعد التغيرات التي أصابت بنية القضية الكوردية وموازين القوى على الأرض؟
إن النقد الموضوعي يقتضي ألا نختزل الأزمة في عامل واحد، أو نحمل طرفاً واحداً مسؤوليتها. فهناك تداخل بين المصالح الشخصية، وضعف الممارسة الديمقراطية داخل التنظيمات، وغياب المساءلة، والتنافس على الموارد والنفوذ، فضلاً عن تأثير التدخلات الإقليمية والدولية. لكن تحديد المسؤوليات بدقة يتطلب أيضاً الاستناد إلى وقائع موثقة، لا الاكتفاء بالاتهامات المتبادلة.
ما المطلوب ؟
أولاً: مراجعة نقدية شاملة. على الأحزاب الكوردية أن تجري تقييماً صريحاً لتجاربها، وأن تعترف بأخطائها وإخفاقاتها، بدلاً من تحميل المسؤولية دائماً للمنشقين أو الخصوم.
ثانياً: إصلاح الحياة الداخلية للأحزاب. لا يمكن الحديث عن الديمقراطية في المجتمع بينما تغيب داخل التنظيمات نفسها. المطلوب مؤتمرات ديمقراطية حقيقية، وتداول للمسؤوليات، واحترام لقرارات المؤسسات، وضمان حق الاختلاف، واعتماد آليات مستقلة لحل النزاعات.
ثالثاً: وضع حد لظاهرة الانشقاقات المتكررة. ليس كل خلاف مبرراً لتأسيس حزب جديد، وليس كل اختلاف دليلاً على استحالة التعايش داخل التنظيم الواحد. ينبغي البحث عن حلول مؤسساتية تتيح التعدد في الرأي وتحافظ على وحدة العمل.
رابعاً: بناء مرجعية كوردية مشتركة. لم تعد البيانات الثنائية والاجتماعات البروتوكولية كافية. المطلوب إطار سياسي كوردستاني سوري واسع، يضم الأحزاب وممثلي المجتمع المدني والمثقفين والأكاديميين والمستقلين، ويُختار ممثلوه بآليات ديمقراطية واضحة، ويكون تفويضه محدداً وخاضعاً للمساءلة.
خامساً: الاتفاق على برنامج سياسي مشترك. ينبغي تحديد الثوابت التي لا يجوز التفريط بها، وفي مقدمتها الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وضمان حقوقه اللغوية والثقافية والسياسية، وبناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة بين مكوناتها.
سادساً: استقلال القرار السياسي والشفافية المالية. لا يمكن استعادة ثقة الشارع من دون وضوح مصادر التمويل وأوجه الإنفاق، ومن دون ضمان أن تكون القرارات نابعة من المصالح الوطنية للكورد السوريين، لا من حسابات الجهات الداعمة أو المصالح الفئوية.
سابعاً: إعادة الاعتبار إلى المجتمع المدني والشباب. لقد آن الأوان لفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة، وإشراك المستقلين والطاقات الشابة في صياغة المشروع السياسي، بدلاً من إبقاء الحياة السياسية رهينة الأسماء والقيادات نفسها.
كلمة أخيرة
إن القضية الكوردية في سوريا أكبر من أي حزب، وأبقى من أي قيادة، وأسمى من المصالح الشخصية والتنظيمية. والأحزاب ليست غاية بحد ذاتها، بل أدوات لخدمة شعبها وتحقيق تطلعاته.
إن استمرار الانقسامات في هذه المرحلة الدقيقة لا يضر بالأحزاب وحدها، بل يضعف القدرة على التفاوض، ويبدد فرص بناء موقف مشترك، ويمنح الأطراف الأخرى مساحة أوسع للتعامل مع الكورد بوصفهم قوى متفرقة بدلاً من شريك سياسي يمتلك رؤية واضحة وإرادة موحدة.
ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إطلاق شعار جديد عن الوحدة، بل الانتقال من الشعارات إلى الممارسة، ومن التنافس على المواقع إلى التنافس في خدمة القضية، ومن احتكار القرار إلى الشراكة الحقيقية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به كل حزب نفسه قبل أن يوجهه إلى الآخرين: هل نحن موجودون من أجل القضية الكوردية، أم أصبحت القضية وسيلة للحفاظ على وجودنا الحزبي ومواقعنا القيادية؟
إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال، مقرونة بإصلاح حقيقي ومحاسبة مسؤولة، قد تكون الخطوة الأولى على طريق استعادة ثقة الشارع الكوردي، قبل أن تتسع الفجوة بينه وبين أحزابه إلى حد يصعب تجاوزه.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى