مقالات

لماذا ينقسم الكردي على نفسه؟ الكردي السوري نموذجاً.

لماذا ينقسم الكردي على نفسه؟ الكردي السوري نموذجاً.

فرحان مرعي

لماذا كل حزب كردي يحمل في داخله بذرة الانشقاق؟
هناك أجوبة جاهزة: الانتهازية، المصالح الشخصية، حب السلطة والمال، الأنا المتورمة… ولكن هذه الظواهر ليست جوهر المشكلة، والانشقاق ليس وليد الصدفة، ولا ينمو إلا بالاستناد إلى جذور بنيوية عميقة، جذور نفسية واجتماعيّة وجغرافيّة وحضارية، تتفاعل وتتشابك معاً لنشوء ظاهرة الانقسام والانشقاق.
المجتمع الكردي قبل كل شيء منقسم حتى ضمن الجغرافيّة الواحدة، قبل التقسيم الدولي الحالي، والتقسيم الجغرافي له تأثير كبير وإن لم يكن هو العامل الحاسم؛ الجغرافيا لا تعمل بمعزل عن غيرها بل تتشابك مع الولاءات الخارجية والبنيّة العشائريّة لتنتج خريطة انقسامات معقدة.
تفتقر المناطق الكردية إلى مركز حضري واحد مهيمن يجمع القيادات والتنظيمات، فكل حزب كردي سوري تقريباً محتجز في جغرافيّة محددة ومرتبط براعٍ خارجي، مما يجعل بذور الانقسام تنمو بسهولة، فالتباعد الجغرافيّ يسهل عمليات الاختراق، ويسمح للولاءات العشائرية والمناطقية بالتفوق على الانتماءات الحزبيّة.
الجغرافيّة الكردية هذه مقسمة على شكل كانتونات عائليّة وعشائريّة وكانتونات دينيّة إلى درجة ما، وتوصلت هذه الكانتونات في الآونة الأخيرة إلى عمليات إبداعات جديدة في تكريس الانقسامات المجتمعيّة نتيجة تطورات المرحلة الأخيرة في المنطقة وسوريا عموماً، فوضعت كل عشيرة لنفسها ما يشبه دستوراً وقوانين داخلية ولجاناً تنظيميّة وماليّة فضاعت ضمنها فكرة المواطنة الكردية، فلم تعد هناك هويّة شخصية وإنما الهوية العشائريّة هي المتداولة، فأول ما يتبادر إلى الذهن عند معرفة الشخص هو السؤال عن عشيرته قبل معرفة الهوية الشخصية أو العلمية أو المهنية؟!
على هذا النمط بنيت العشيرة السياسية، فمن الطبيعي أن يحمل كل حزب سياسي في داخله بذرة التقسيم، فغياب المشروع الوطني الجامع وضعف المؤسسات، وضعف مؤسسات المجتمع المدني جعل الولاءات الضيقة تتغلب على الهوية الكردية الجامعة.
ثانياً وثالثاً: الانقسام الكردي له جذور نفسية بنيوية عميقة، في العمق كل حزب كردي يعاني من بنية سلطوية عائليّة داخلية مما يؤدي إلى غياب آليات حلّ النزاعات الداخلية والتداول الطبيعي للمسؤولية، وبالتالي أي خلاف بسيط قد يتصاعد إلى انشقاق أو انفصال، ويعود ذلك أساساً إلى تصميم البنية التنظيمية ونمط البقاء النفسي، وليس فقط الخلافات الأيديولوجية.
الأحزاب الكردية تحولت إلى كيانات مغلقة مبنية على الخوف والولاءات الشخصية والقرابة والتحالفات العائليّة بدلاً من أن تكون منظمات سياسية مؤسساتية، وبالتالي فإن أي محاولةٍ للإصلاح تعتبر تعدياً على المحرمات، فعندما يرى أي شخص حزبي أو سياسي أن مصالحه أو مكانته مهددة يكون الخيار الوحيد هو الانقسام.
إذاً الآلية النفسية هي السبب الداخلي وهي إحساس الفرد بأن مكانته ومصلحته الشخصية مهددة.
في النتيجة: عندما تفتقر البنية الداخلية إلى مؤسسات مستقلة وشفافة، تحسم الأمور بالولاء، وعندما تفتقر البنية الخارجية إلى مرجعية كردية موحدة تحسم الأمور بالتبعيّة لقوى خارجية، وبالتالي يصبح الانقسام هو الطريق الوحيد المتاح للتعبير عن الاختلاف .

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى