عزالدين ملا
لا يستطيع أي سوري، مهما حمل في قلبه من خيبات وأوجاع، أن يغفل أو ينكر أن ما تشهده سوريا اليوم هو حدث استثنائي بكل المقاييس. قد يختار البعض أن يدفن هذه الحقيقة العميقة في أعماق نفسه، خوفاً من أن تزداد خيباته، لكن الواقع على الأرض يفرض نفسه بلا جدال. بعد سقوط نظام بشار الأسد البائد، تعرضت سوريا لهجمة إعلامية شرسة، كانت كاشفة بلا مواربة عن هشاشة البنية الأخلاقية لكثير من النخب التي طالما رفعت راية الدفاع عن الحرية والكرامة. هذه النخب، التي حملت شعارات نبيلة لسنوات طويلة، سرعان ما انقلبت على مبادئها، وبدلاً من أن تواصل مسيرة البناء الوطني، دخلت في دوامة حملات تشويه متبادلة لا تخدم سوى مصالح ضيقة وصراعات شخصية على النفوذ، بعيداً عن المصلحة الحقيقية للوطن.
هذا الصراع المفتوح، الذي تتصدره منصات إعلامية كانت فيما مضى من أكبر المستفيدين من الفوضى، يكشف زيف الكثير من الوعود والادعاءات، ويطرح تساؤلاً هاماً، هل فعلاً هناك من يعمل من أجل سوريا، أم أن الجميع مستغرقون في معاركهم الخاصة؟ على الرغم من هذا الضجيج والصخب الإعلامي، تبقى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها، الحكومة الحالية، رغم حداثة عهدها، شرعت في فتح أبواب لم يكن بالإمكان تصورها في ظل حكم مطلق دام لعقود طويلة.
صحيح أن الطريق أمام سوريا لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات والتحديات، وأن هناك الكثير مما يجب تحقيقه، لكن من الإنصاف والموضوعية الاعتراف بأن ما تحقق خلال السنتين من التحرير هو أشبه بمعجزة سياسية. هذه المعجزة تأتي في ظل خراب دام نصف قرن من حكم قيد سوريا وحولها، حكم قلبها من منارة مزدهرة في شرق المتوسط إلى معتقل مفتوح، وساحة تصفية حسابات إقليمية وانقسامات داخلية. اليوم، أمامنا فرصة نادرة لإعادة بناء الوطن على أسس جديدة، فرصة تستدعي التكاتف والوعي والتخلي عن الأنانية والصراعات الضيقة، لكي نعيد لسوريا مكانتها وقيمتها كدولة حرة وكريمة.
يخطئ من يظن أن الشعب السوري، الذي حمل جراحه طيلة سنوات الحرب والاستبداد، قد فقد ذاكرته أو باعها مقابل فتات الشعارات. الكورد، على سبيل المثال لا الحصر، هم الشاهد الأصدق على أن سياسات الإقصاء لم تكن ناتجة عن ظروف عابرة بل كانت ركيزةً في مشروعٍ سلطوي لا يعترف إلا باللون الواحد واللسان الواحد والصوت الواحد. جُرّد مئات الآلاف من الكورد من أوراقهم الثبوتية، وعُرّبت قراهم ومدنهم، ومُحيت أسماؤهم من دفاتر الدولة إلا حين احتاجتهم خزانا بشريا للدفاع عن حدود لم يكن لهم فيها نصيب من القرار. اليوم، حين تتجنب القيادة الجديدة تكرار هذا الجرح، وتُعلن بوضوح التزامها بتمثيل كل مكونات الشعب السوري دون تمييز أو إقصاء، فإنها لا تمنّ على أحد، بل تحاول رد اعتبار تأخر طويلا. لكن بعض الأصوات التي تبكي على أطلال سلطة الأسد البائد لا تجد حرجا في تجاهل هذه الحقيقة، متعمدة تشويهها أو تقزيمها لأنها ببساطة تفضح زيف دعاوى الحنين إلى استقرار مزعوم بُني على القمع والسجون والاعتقال.
إن رفع العقوبات الغربية، وعلى رأسها القرار التاريخي من قبل الرئيس الأمريكي ترامب، لم يأتِ لأن العالم استيقظ ذات صباح على وقع قصيدة حنين لدمشق، بل لأنه لمس إشارات جديدة تفصح عن نضوج مشروع سياسي يحاول، رغم كل العوائق، أن يعيد لسوريا اسمها لا كدولة مارقة أو بؤرة للعنف، بل ككيان يطلب له مكانا تحت الشمس. هذه الخطوة وحدها، بكل ما تحمله من تداعيات اقتصادية واستثمارية، كافية لتنسف سرديات المزايدين الذين يحاولون إقناع الناس بأن لا جديد في دمشق سوى تغيير اليافطة على باب القصر الرئاسي. إن من يعرف كيف تُدار لعبة المصالح الدولية يدرك أن رفع عقوبات عن دولة في الشرق الأوسط ليس قرارا يُتخذ بلا مقابل، بل هو إشارة ثقة في مسار سياسي ودبلوماسي مختلف، وإلا لبقيت سوريا محاصرة في زنزانة العقوبات والتهميش مثلما كانت لعقود طويلة، حتى صارت العملة الوطنية تنهار أمام عيون الفقراء بينما تُهرّب الثروات إلى الخارج برعاية أركان السلطة البائدة.
ورغم ذلك، يبقى التحدي الأكبر للإدارة الجديدة ليس في كسب المعارك الدبلوماسية فقط، بل في إقناع السوريين المرهقين من الوعود بأن هذه المرة مختلفة. ليس هناك أكثر ظلما من أن يُطلب من شعب عاش نصف قرن في كنف المخابرات أن يصدق بأن دولة القانون قادمة حقا. لذلك فإن الرئيس احمد الشرع وحكومته مطالبون يوميا بتقديم الدليل لا الوعد، الفعل لا البيان، المصالحة الفعلية لا الترويج الإعلامي فقط. الجميل في المشهد، رغم عتمته أحيانا، أن السوريين لا يطلبون معجزات بقدر ما يطالبون بحقوق أساسية حُرموا منها طويلا، دولة بلا معتقلات سرية وإعلام بلا رقابة استخباراتية وانتخابات بلا تزوير وعدالة لا تعرف أبواب الفروع الأمنية. كل ذلك يبدو بديهيا في دول أخرى، لكنه في سوريا يشبه حلما متأخرا يطرق باب الفجر بعد ليل طويل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن ينجح خصوم المشروع الوطني الجديد في إقناع الناس بأن لا جدوى من التغيير وأن سوريا محكوم عليها أن تبقى ملعبا للعنف وساحةً للنزاعات. هذه الهجمة الإعلامية الحادة ليست بريئة، بل هي محاولة لإعادة إحياء شبكات نفوذ فقدت امتيازاتها مع سقوط النظام القديم وتبحث اليوم عن منافذ للعودة تحت عباءة المعارضة أو تحت شعارات فارغة. ومن هنا، فإن الدفاع عن الإدارة الجديدة لا يعني أبدا التغاضي عن أخطائها أو منحها حصانة ضد النقد، بل يعني ببساطة حماية المسار الوطني من محاولات وأد مبكر لحلم لم يكتمل بعد. من حق الشعب السوري أن يكون له صوتٌ أعلى من أصوات المزايدين وأن يُمهل من يعمل لأجله بعض الوقت كي يثبت صدق نواياه. وفي النهاية، ليس هناك من يملك وكالة أبدية على هذا الشعب سوى إرادته.
لن تختصر سوريا في شخص الرئيس أحمد الشرع ولا في فريقه، بل تختصرها دموع الأمهات على أبناء لم يعودوا ودماء الشهداء الذين كتبوا بدمهم جملة واحدة “لا عودة للاستبداد”. هذا الإرث هو الضمانة الوحيدة كي لا تتحول أي إدارة جديدة إلى نسخة مكررة من ماضٍ يأبى أن يموت. من يهاجم سوريا الجديدة بلا شرف نقدي ولا موضوعية، عليه أن يتذكر أن في هذه البلاد شعبا قرر أخيرا أن يقول: لا. لا للحاكم المستبد، لا للمعارضة الكرتونية، لا لكل من يريد أن يقايض دماءه بمكاسب عابرة. هكذا فقط وبإصرار السوريين على بناء وطنٍ يتسع للجميع، يمكن لهذه الحكومة الجديدة أن تصمد أمام الحملات وتُكمل المسار الذي قد لا يكون مثاليا، لكنه أفضل من ظلام كنا فيه غرباء في بيوتنا.




