مقالات مترجمة

إكرام أوكَوز: الحرب والأدب

الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود

الحربُ والحدادُ.. كلمتانِ متشابهتان، ومترابطتان.
كلمتانِ قاتمتانِ وموحشتان.
تفيضانِ بالدماءِ والدموعِ…
وبالألمِ والمعاناةِ…
فالحربُ مذبحةٌ جماعية.
هي القتلُ والموتُ…
الحربُ فرضُ العطشِ والجوع.
نهبُ البيوتِ والممتلكاتِ…
التهجيرُ القسريُّ…
إنها مأساةٌ إنسانية.
الحربُ تدميرُ القرى والمدن، وخرابُ الطبيعةِ وإحراقُها.
فتحتَ أنقاضِ الحربِ، يرقدُ الأراملُ، والأطفالُ اليتامى، وكبارُ السنِّ المنكسرون.
وفي أعقابِ الحرب، لا يرحلُ الأفرادُ فحسب، بل تموتُ الإنسانيةُ ذاتُها. تقولُ الكاتبةُ البيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش، الحائزةُ على جائزةِ نوبل لعام 2015، في حفلِ تسلُّمِ الجائزة:
“عشتُ طفولتي في القرية، وكنتُ أحبُّ الألعابَ التي نلعبُها في الشوارع. وفي المساءات، كانت أراملُ القرية -نساءٌ أنهكهنَّ التعبُ، يجلسنَ على مقاعدَ خشبيةٍ- يجذبننا إليهنَّ كالمغناطيس. لم يكن لديهنَّ آباءٌ أو إخوةٌ أو أزواج. لا أذكرُ وجودَ أيِّ رجلٍ في قريتنا بعد الحرب؛ فقد قُتلَ رجلٌ من كلِّ أربعةِ رجالٍ بيلاروسيين خلال الحرب، سواءٌ على الجبهةِ أو أثناءَ القتالِ ضمنَ حركاتِ المقاومة. كان عالمُنا بعد الحربِ عالماً من النساء. وما يرسخُ في ذاكرتي أكثرَ من أيِّ شيءٍ آخرَ هو أنَّ هؤلاءِ النساءَ لم يتحدثنَ قطُّ عن الموت، بل كنَّ يتحدثنَ فقط عن الحب. كنَّ يتحدثنَ عن ذلك اليومِ الأخير؛ كيف انتُزعنَ من أحبائهنَّ، وكم طالَ انتظارُهنَّ لهم بمشاعرَ فياضةٍ وعميقة، وكيف كنَّ -ولا يزالونَ- في حالةِ انتظارٍ دائم… لقد مرَّت سنواتٌ وعقود، ومع ذلك، كنَّ لا يزلنَ ينتظرنَ آباءَهنَّ وإخوتَهنَّ وأزواجَهنَّ.
كنَّ يقلنَ: ‘ليعُدْ، حتى وإنْ كان بلا ذراعينِ أو ساقين. سأحملُه على ظهري… حتى وإنْ كان بلا ذراعينِ، وبلا ساقين…'”
وكما تشيرُ كلماتُ الكاتبةِ البيلاروسية، فإنَّ الأدبَ -أو الكاتبَ- يغوصُ فيما وراءَ السطح… أما الحربُ…
فهي تكشفُ عن وجهِها القذرِ الملطخِ بالدماء. إن كان لها أي أثرٍ على الإطلاق، فهو الحيلولة دون فناء البشرية.
لا مكان للحرب في حياة الكاتب،
إذ يتصور الكاتب عالماً خالياً من الحروب والقتل.
ويكرّس الكاتب تفكيره وإبداعه لتحقيق هذه الغاية.
فمهمة الكاتب هي خلق حياةٍ سعيدة.
وهكذا، يفتش الكاتب في الدروب والمسالك، ليصنع حديقةً من زهورٍ وزنابقَ متناثرة.
يُضفي على هذه الحديقة زينتَها ويبثُّ فيها الحياةَ مستعيناً بالكلمات؛ تلك الكلمات التي طواها النسيانُ وسط إيقاع الحياة اليومية.
ومن أجل بناء حياةٍ لها معنى، يكشف الكاتبُ عن سُبُلِ الحبِّ والسعادة ووسائلِهما.
ولهذا السبب، ومثلهم مثل الفنانين والعلماء، والمبدعين والمبتكرين، وكلِّ من يُعلي من شأن الإنسانية، يقف الكاتبُ ضد الحرب والصراع، وضد القتل والموت.
فلا مكان للهمجية في حياة الكاتب، تماماً كما لا مكان للأدب -ولا للكاتب- في مجالس الهمج.
إن صوت الكاتب لا يصل إلى آذان الطغاة والمستبِدين.
ولا يمكنه اختراق الأسوار والتحصينات التي أُقيمت حول قصورهم ومعاقلهم.
بل يصطدم بجدران تلك التحصينات ويرتدُّ خائباً.
ونتيجةً لذلك، ففي أرضٍ يحكمها الطغاة والمستبدون، غالباً ما يكون نصيبُ الكاتب هو السجن، أو النفي، أو التهجير القسري.
ومع ذلك، فأينما وُجد الكاتب -وفي أي ظرفٍ كان- فإنه لن يلتزم الصمت.
فأداتُه هي الكلمة، ورسالتُه هي صياغةُ الحياةِ بقوة اللغة.
ما دامت في جيوب الكتّاب كلماتٌ، وفي رؤوسهم عقول، فإنهم يواصلون الإبداع…
ولكن، ويا للأسف، فإن الاعتراضات والمعارضات التي أبداها الكتّاب تجاه الحروب السابقة -والتي لا يزالون يبدونها تجاه الحروب الجارية- لم تُوجَّه، ولا تُوجَّه، نحو الحرب في عفرين.
حتى تلك الأصوات القليلة المعارضة التي ارتفعت، لم تجد صدىً لها في أوساط المنطقة.
ويكمن سبب هذا الصمت في طبيعة عفرين ذاتها.
فعفرين كردية؛ إنها كردستان.
عفرين بلا حامٍ ولا نصير.
عفرين يتيمة.
عفرين بئرٌ بلا قاع.
وتجنباً للانزلاق والضياع في أعماق هذه البئر السحيقة، يبتعد الكتّاب عن عفرين.
يديرون وجوههم عنها، ويحافظون على مسافةٍ تفصلهم عن هذه المدينة اليتيمة.
ينظر الكتّاب الأتراك والعرب والفرس إلى عفرين بعيون سلطاتهم الحاكمة، ويقيّمون الحرب فيها من خلال المنظور ذاته.
إنهم يرون في كُرْد عفرين “إرهابيين”، ويعدّون عفرين نفسها “وكراً للإرهاب”.
ومن المواقع التي رسّختها الدول المحتلة -التي تحاصر الكرد وكردستان بالحرب والقتل وآلات الإعلام- يعجز هؤلاء الكتّاب عن رؤية البؤس والعجز الذي يعيشه أهل عفرين؛ بل إنهم، حتى من بعيد، لا يسمعون صرخات كرد عفرين ونداءاتهم.
أما الكتّاب الكرد -إن وُجدوا أصلاً- فهم قلة. ومثل وطنهم وشعبهم، باتوا هم أيضاً ممزَّقين؛ بعيدين عن ذواتهم وعن أرضهم.
فمنهم من اغترب عن لغته الأم، ومنهم -تحت تأثير المحتلين- من بقي بعيداً عن الشعب الكردي والقضية الكردية.
أما أولئك الذين يتحركون بروح القضية الكردية وعبر اللغة الكردية، فهم قلةٌ قليلة.
يصرخون من الألم، يبكون، يقرؤون، ويكتبون…
للأسف، أصواتهم خافتة أيضاً.
فلا الظالمون والطغاة يسمعون صرخاتهم، ولا حتى الكرد…
وحتى أولئك الكرد الذين يسمعونهم، لا يفهمون…
لأنهم يكتبون بلغة اليتامى، ويعيشون مصير أبناء جلدتهم.
بعد مقاومة استمرت 58 يوماً، سقطت عفرين فجأة…
واليوم، تقوم الدولة التركية والميليشيات التابعة لها بنهب مدينة عفرين.
إنهم يستولون على ممتلكات الكرد وأصولهم، ويمارسون السرقة والنهب.
ويحرقون أشجار الزيتون -التي تُعرف عالمياً كرمز للسلام.
وأمام أنظار العالم، يطلقون الرصاص على تماثيل “كاوا الحداد” ويزيلونها من أماكنها.
إنهم يعبثون بالتركيبة السكانية لعفرين، ويهجّرون الشعب الكردي عن أرض أجداده.
وماذا يفعل الكتّاب والفنانون الأتراك؟
إنهم يؤلفون ملاحم تشيد بأفعال دولتهم المحتلة، ويحتفون بالجنود والميليشيات التابعة لهم عبر القصائد والأغاني.
إن الحرب في عفرين -وما آلت إليه- تثبت مجدداً أنه حتى وإن لم يكن هناك معيار أدبي عالمي موحد، فإن فكرة وجوده في الشرق الأوسط ليست سوى كذبة صارخة. هنا، يصبح الكاتب ناطقاً باسم حاكمه، ويصبح الأدب بدوره في خدمة الدولة…
23.03.2018
Şer û wêje
ملاحظة من المترجم: نص: الحرب والأدب ” Şer û wêje ” مستل من كتاب الكاتب الكردي” إكرام أوغِز İkram Oğuz “:كتابات على الحائط Nivîsên li Dîwar،منشورات NavKurd، 2024، ص 20-23.
إكرام أوغوز، من مواليد عام 1962 في إحدى قرى منطقة “سَهد” (Sehed) – وتحديداً في قرية “خانبيكَي Xanbegi السفلى” ، بالقرب من “تاتوس” (Tatos).له العديد من الأعمال الأدبية، ومنها:
-ميرو Mîro * (رواية)، ، نُشرت في ستانبول في آذار 2014 .
-عابر سبيل* (رواية)، نُشرت في ستانبول في أيلول 2017 .
-الحياة حلوة بالكردية*، نُشرت في تشرين الأول 2019 .
المترجم

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى