في عام 2014، جمعتني الصدفة بأحد سكرتيري الأحزاب الحاليين، ودار بيني وبينه، بحضور عدد من الأصدقاء والرفاق الحزبيين، نقاش في أحد فنادق هولير، تناول طبيعة منظومة الـPKK، وأيديولوجيتها واستراتيجيتها، وممارساتها الفعلية على الأرض، ومدى جدوى التحالف معها من عدمه.
وبعد نقاشٍ طويل، كان ردّ هذا السكرتير: «يا هفال، يا هفال، والله أستطيع أن أؤلّف قاموساً كاملاً عن هذه المنظومة، لكن الواقعية تقتضي التحالف معها عسكرياً».
غير أنّ المفارقة تكمن في أنه لم يكتفِ بالتحالف العسكري معها فقط، بل استمرّ في تحالفه معها سياسياً وإدارياً أيضاً، وربما لا يزال كذلك، “بقدر ما سمحت له هذه المنظومة”.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كنتَ قادراً “كما تدّعي”على تأليف قاموس كامل عن هذه المنظومة، وخفايا أيديولوجيتها واستراتيجيتها وممارساتها، فكيف بقيتَ جزءاً من منظومتها، تحت غطاء ما يُسمّى بـ«الخط الثالث» المزعوم؟ وأين تنتهي الواقعية السياسية، وأين يبدأ التناقض بين ما تعرفه وما تفعله، وبين ما تقوله وما تمارسه؟
أما السؤال الثاني، وهو أكثر إلحاحاً: كيف استطاع هذا السكرتير إقناع رفاقه، ولا سيما “الشريحة المثقفة” بينهم، بفلسفته الضحلة لتبرير استمرار هذا التحالف؟ وكيف أمكن تسويق هذا التناقض بوصفه موقفاً سياسياً واقعياً، لا ازدواجيةً في المعايير ولا عجزاً عن اتخاذ موقف مستقل؟
والأكثر إثارةً للاستغراب أنّ هناك، حتى اليوم، مريدين لا يزالون يبرّرون مواقفه، ويدافعون عن خياراته، بل وينظرون إليه بوصفه فيلسوف عصره، على غرار معلّمه، وكأنّ مجرد امتلاك خطاب سياسي مُنمّق كافٍ لإضفاء الحكمة على المواقف المتناقضة، أو تحويل العجز عن التحرّر من التبعية إلى ضربٍ من ضروب الواقعية السياسية.
فهل تكمن المشكلة في عجز هذا السكرتير عن ترجمة ما يعرفه إلى موقف سياسي مستقل، أم في قدرته على إقناع الآخرين بأنّ التناقض حكمة، والتبعية واقعية، وغياب الاستقلالية فلسفة سياسية؟
ذلك هو السؤال الذي يستحقّ الإجابة، لا التبريرات التي لم تعد تقنع إلا مَن اختاروا أن يروا في التناقض حكمةً، وفي التبعية موقفاً سياسياً.





