حسن قاسم
من جيل التأسيس إلى جيل التجديد: الخبرة سندٌ للشباب وليست بديلاً عنهم
نعيش اليوم عصر الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي والثورة العلمية المتسارعة، حيث تتعدد الوسائل والخيارات للوصول إلى الأهداف بأسرع الطرق وأكثرها أماناً وفاعلية، سواء في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، أم في بناء العلاقات الاجتماعية وتعزيز التفاهم والتعايش بين مختلف المكونات.
إن هذا التحول الكبير لا يفرض علينا تطوير أدوات العمل وأساليبه فحسب، بل يدفعنا أيضاً إلى إعادة النظر في آليات القيادة والإدارة، وفي طبيعة العلاقة بين الأجيال، ولا سيما داخل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات المختلفة.
وفي هذا السياق، أرى أن جيل الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، الذي حمل على عاتقه مسؤوليات النضال السياسي والوطني والمدني في ظروف بالغة الصعوبة، مطالب اليوم بإجراء مراجعة موضوعية لدوره، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الراهنة. فقد قدم هذا الجيل تضحيات كبيرة، وراكم خبرات وتجارب لا يمكن الاستهانة بها، وأسهم في ترسيخ الكثير من القيم والمبادئ التي ينبغي الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.
لكن الحفاظ على القيم والمبادئ لا يعني التمسك الدائم بالأساليب القديمة، ولا البقاء في مواقع القيادة والإدارة إلى أجل غير مسمى. فالحياة تتجدد، والظروف تتغير، وما كان مناسباً بالأمس قد لا يكون صالحاً لمواجهة تحديات اليوم والغد.
من هنا، أعتقد أن من واجب هذا الجيل أن يفسح المجال أمام الشباب لتولي مسؤوليات القيادة، وحمل راية النضال بمختلف أشكاله، وتسيير شؤون المؤسسات الحزبية ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من المؤسسات. فالشباب يمتلكون طاقات متجددة، وقدرة أكبر على مواكبة التطورات التكنولوجية، واستيعاب أدوات التواصل الحديثة، والبحث عن حلول مبتكرة للمشكلات المتراكمة.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن الجيل الذي سبقهم، أو التقليل من قيمة تجاربه وتضحياته، بل إن المرحلة تتطلب تكاملاً حقيقياً بين حيوية الشباب وحكمة أصحاب الخبرة. فدور الجيل السابق ينبغي أن يتحول تدريجياً من إدارة التفاصيل اليومية واحتكار القرار إلى تقديم المشورة، ونقل التجارب، والمساعدة على تجنب الأخطاء، ودعم القيادات الشابة في مواجهة التحديات.
أما التمسك بالمواقع القيادية خلف شعارات تاريخية تجاوزتها الظروف، أو الاعتقاد بأن التجارب السابقة تمنح أصحابها حقاً دائماً في قيادة الآخرين، فإنه قد يتحول إلى عائق أمام التطور والتجديد، حتى لو كانت النوايا حسنة.
إن المؤسسات التي لا تجدد قياداتها وأفكارها وأساليب عملها معرضة للجمود والتراجع، مهما كان تاريخها النضالي عريقاً.
إن الوفاء للمبادئ لا يكون بالبقاء في المواقع، بل بضمان استمرارها وتجددها. وأعظم ما يمكن أن يقدمه جيل التأسيس هو إعداد جيل جديد قادر على مواصلة المسيرة بكفاءة ومسؤولية، مستفيداً من الخبرة، ومنفتحاً على العلم والتكنولوجيا، ومؤمناً بأن النضال ليس ملكاً لجيل دون آخر، بل مسؤولية مشتركة تتجدد أدواتها بتجدد الحياة.
فهل نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن التداول بين الأجيال ليس تراجعاً عن النضال، بل خطوة ضرورية لضمان استمراره؟
إنه موضوع يستحق نقاشاً واسعاً ومسؤولاً، بعيداً عن الحساسيات الشخصية، لأن مستقبل مؤسساتنا ومجتمعاتنا يتطلب منا جميعاً أن نضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الفردية، وأن ندرك أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بطول البقاء في الموقع، بل بالقدرة على بناء من يستطيع مواصلة المسيرة من بعدنا.




