مقالات

بين الذاكرة والتجديد… كيف تتجاوز الحركة الكردية السورية أزمتها البنيوية؟

كمال بكر

ليست مراجعة التجربة السياسية أمراً سهلاً، ولا سيما حين يتعلق الأمر بحركة ارتبطت بتاريخ طويل من النضال والتضحيات، وعملت في ظروف لم تكن مواتية لنمو الحياة السياسية وتطورها بصورة طبيعية. لكن صعوبة المراجعة لا تعني تأجيلها، كما أن الاعتراف بالأخطاء لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للتجربة بكل ما حملته من محطات مهمة وإخفاقات ودروس.

في الحالة الكردية السورية، يبدو سؤال التجديد أكثر إلحاحاً اليوم، في ظل التحولات التي شهدتها سوريا والمنطقة، وما تفرضه من أسئلة جديدة على الأحزاب والقوى السياسية الكردية. فلم تعد إعادة طرح الشعارات نفسها، أو إطلاق مبادرات جديدة، أو تغيير بعض الوجوه، كافية إذا بقيت طرق العمل وآليات اتخاذ القرار وإدارة الخلاف على حالها.

لكن هل يكفي النظر إلى الحركة الكردية من زاوية إخفاقاتها التنظيمية والسياسية، من دون التوقف عند الظروف التي نشأت فيها، والتجربة التي راكمتها، والأدوار التي أدتها عبر مراحل مختلفة؟ وهل يمكن بناء مستقبل مختلف من دون فهم أسباب النجاح والتعثر في التجربة السابقة معاً؟

من الطبيعي أن تخضع الأحزاب الكردية للمراجعة والمساءلة، شأنها شأن أي قوة سياسية تدّعي التعبير عن تطلعات شعبها. فلا التاريخ وحده يمنح الشرعية إلى الأبد، ولا التضحيات السابقة تعفي القيادات من مسؤولية تقييم نتائج عملها. ومن حق الناس أن يسألوا عن أسباب الانقسامات، وتعثر الاتفاقات، وضعف المؤسسات، والفجوة التي اتسعت أحياناً بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية.

غير أن النقد يفقد جزءاً من قيمته حين يتحول إلى حكم عام على التجربة بأكملها، أو حين تُقدَّم الحركة السياسية وكأنها مجرد عائق أمام التغيير. فالتجربة ليست سجلاً من الأخطاء وحدها، بل هي أيضاً حصيلة جهود وتضحيات وخبرات تشكلت في ظروف سياسية واجتماعية وأمنية معقدة.

ولا يعني ذلك تبرير الإخفاقات أو التقليل من آثارها، وإنما وضعها في سياقها، والتمييز بين ما فرضته الظروف، وما نتج عن خيارات سياسية وتنظيمية، وما تراكم من أساليب عمل لم تعد قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة. فإذا كان الهدف هو الإصلاح، فلا ينبغي أن يقتصر السؤال على ما أخفقت فيه الحركة، بل أن يمتد إلى أسباب الإخفاق، والدروس التي أمكن استخلاصها منه، ومدى انعكاس تلك الدروس على الممارسة السياسية والتنظيمية.

تكتسب الذاكرة السياسية أهميتها من قدرتها على تحويل التجارب السابقة إلى معرفة مشتركة. لكنها لا تتحول إلى ذاكرة مؤسسية بمجرد سرد الأحداث أو نشر الوثائق أو استعادة المواقف؛ فهي تحتاج إلى قراءة ونقاش، وإلى استعداد للاعتراف بالأخطاء، وإلى قواعد عملية تساعد على تجنب تكرارها.

ومن هنا، لا ينبغي أن تبقى التجارب السابقة ملكاً لجيل عاشها وحده، أو أن تتحول إلى روايات متنافسة يروي كل طرف منها ما يؤكد صحة موقفه. فالتجربة التي لا تجد طريقها إلى النقاش العام تبقى محدودة الفائدة، حتى لو كانت غنية بالدروس.

واحترام تاريخ الحركة لا يعني تقديسه، بل التعامل معه بوصفه مجالاً للتعلم والفهم. فالذاكرة التي تمنع طرح الأسئلة تتحول إلى عبء، أما التي تساعد على فهم الحاضر فتفتح المجال أمام التجديد.

وقد يكون من المفيد هنا أن نتساءل: كم من التجارب التي خاضتها الأحزاب الكردية، وكم من الاتفاقات ومحاولات التوحيد التي شهدتها، تحولت بالفعل إلى مراجعات موثقة وقواعد عمل جديدة؟ وهل استطاعت المؤسسات الاحتفاظ بدروس تلك التجارب، أم أن كثيراً منها ظل مرتبطاً بالأشخاص ومواقفهم، فتراجع أثره بتغير الظروف والقيادات؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى مراجعة هادئة للوثائق والتجارب، بعيداً عن التعميم أو توزيع المسؤوليات بصورة مسبقة.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل الحركة الكردية السورية من دون التوقف عند العلاقة بين الجيل الذي راكم التجربة السياسية، والأجيال التي تنظر إلى الواقع بأسئلة وتطلعات مختلفة.

فالجيل السابق يمتلك خبرة تشكلت عبر سنوات طويلة من العمل السياسي، ويعرف جوانب من التاريخ والظروف لا يمكن فهمها من خلال قراءة الوقائع وحدها. لكن هذه الخبرة لا ينبغي أن تتحول إلى حق دائم في احتكار القرار، أو إلى معيار يُقاس به كل اختلاف جديد.

وفي المقابل، يحتاج الجيل الجديد إلى مساحة حقيقية للمشاركة والمبادرة، لكنه يحتاج أيضاً إلى التعرف على التجربة السابقة، وفهم سياقاتها، والاستفادة من دروسها، بدلاً من التعامل معها باعتبارها مرحلة ينبغي تجاوزها بالكامل.

ليست المسألة، إذاً، صراعاً بين جيلين، ولا مفاضلة بين من سبق ومن جاء بعده. إنها مسألة بناء علاقة تسمح بنقل الخبرة من دون فرض الوصاية، وتجديد القيادة من دون إلغاء الذاكرة، وإفساح المجال أمام أفكار جديدة من دون قطع الصلة بما تراكم من معرفة وتجربة.

ولا يتحقق ذلك بمجرد الدعوة إلى إشراك الشباب، بل يحتاج إلى مؤسسات تتيح لهم المشاركة الفعلية، وتمنحهم فرص تحمل المسؤولية، وتجعل الاختلاف في الرأي جزءاً طبيعياً من الحياة التنظيمية، لا سبباً للتهميش أو الانسحاب.

وهنا يبرز تحدٍّ آخر يتعلق بقواعد العمل داخل الأحزاب، لا بالأشخاص الذين يتولون قيادتها فحسب. فتغيير الأشخاص قد يكون ضرورياً في بعض المراحل، لكنه لا يكفي إذا بقيت آليات اتخاذ القرار والمحاسبة وتداول المسؤولية من دون تغيير.

ولا يمكن بناء مؤسسات قوية في ظل الخلط بين الحزب وقيادته، أو بين الاختلاف التنظيمي والخلاف الشخصي، أو بين مصلحة المؤسسة ومصلحة من يتولى إدارتها. كما أن الدعوة إلى الوحدة لا تصبح ذات معنى عملي ما لم تقترن بقواعد واضحة تحترم التعددية، وتضمن المشاركة العادلة، وتتيح معالجة الخلافات من دون اللجوء المتكرر إلى الانقسام.

وفي هذا السياق، لا تعني مراجعة الأحزاب التشكيك في مشروعية الحركة السياسية الكردية، كما لا تعني حماية القضية القومية إعفاء الأحزاب من النقد. فالقضية أوسع من أي تنظيم، والحركة السياسية ليست تنظيماً واحداً، وإنما مجال متنوع من التجارب والرؤى والاجتهادات التي تحتاج إلى قدر من التفاهم حول الحقوق والمصالح المشتركة.

والتحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه التعددية من مصدر للتنافس المستنزف إلى مساحة للعمل المشترك، من دون اشتراط التطابق في الرؤى أو إلغاء حق الاختلاف. كما أن قدرة الحركة على التجدد ترتبط بمدى استقلال قرارها السياسي، وبقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع القوى المحيطة، من دون أن تفقد أولوياتها الخاصة أو تجعل خلافاتها الداخلية رهينة لتوازنات الآخرين.

إن تجاوز الأزمة البنيوية في الحركة الكردية السورية يتطلب مراجعة مسؤولة تعترف بالإخفاقات، وتستفيد من الخبرات المتراكمة، وتفتح المجال أمام أجيال جديدة للمشاركة في صياغة المستقبل. فالمطلوب ليس تحميل جيل مسؤولية الماضي، أو افتراض أن جيلاً آخر يمتلك وحده مفاتيح التغيير، بل بناء علاقة متوازنة بين الخبرة والتجديد، تتيح انتقال المسؤولية وتطوير المؤسسات.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأحزاب والقيادات والأجيال الجديدة هو: كيف تستطيع الحركة الكردية السورية أن تتجدد من داخل تجربتها التاريخية، من دون أن تبقى أسيرة لها؟

إن الإجابة تبدأ بتحويل دروس الماضي إلى قواعد عمل جديدة، تجعل النقد مدخلاً للإصلاح، وتداول المسؤولية ممارسة فعلية، والتواصل بين الأجيال أساساً لاستمرار الحركة وتطورها. فالتجديد لا يحتاج إلى إنكار التجربة السابقة، بل إلى امتلاك الشجاعة لمراجعتها والبناء على ما فيها من دروس.

Bonn: 19.10.2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

أي سيادة تتظاهرون من أجلها

علي شمدين في الوقت الذي تمضي فيه عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية والمؤسسات الإدارية التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة السورية نحو التنفيذ،…