صلاح بدرالدين
يمكن قراءة مداخلة السيد رئيس إقليم كردستان العراق الذي يحتل الموقع التنفيذي الأول رسميا وحسب الدستور ، والقوانين ، إضافة الى كونه نائبا لرئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني الحاكم ، من زاويتين :
أولا – لاشك ان إشارة اللغة والجسد خلال المرور في مداخلته على الموضوع السوري كانت واضحة في اعتبار القياديين المدعويين للندوة في ( قسد ومسد ) دون غيرهما من الكرد السوريين ، والتوجه اليهما بالثناء ، لواقعيتهما ، وحكمتهما بحيث يفهم وكأنهما نجحا بانجاز حل القضية الكردية في سوريا ، وليعزز تلك الفرضية استشهاده بما لاحظه في زيارته – لساعات – الى دمشق خلال بروتوكول الاستقبال .
ثانيا – المداخلة بشأن الملف الكردي السوري استندت الى فرضية – الواقعية السياسية – ولكن ماقيل لا يمت بصلة الى الواقع على الأرض ، فلم نسمع ومعنا اكثر من ثلاثين مليون كردي سوري ، واكثر من عشرين مليون سوري عن أي حل للقضية الكردية السورية ، اما اذا كان المقصود وقف القتال بين قوات الدولة السورية ومسلحي – قسد – ، او البدء بعملية الدمج بوزارتي الدفاع والداخلية ، والامن ، وبسط سيطرة الدولة رويدا رويدا على كافة المناطق ، وهو الأرجح ، نقول انها آجراءات جيدة طال ما نادى بذلك معظم السوريين منذ سقوط الدكتاتورية في ديسمبر ٢٠٢٤ ، وقد يشكل ذلك إزالة عقبة امام إيجاد حل القضية الكردية عندما تتوفر الشروط المطلوبة واولها التئام عقد المؤتمر الكردي السوري الجامع لانتخاب ممثلين عن الشعب الكردي وحركته السياسية .
ثالثا – الواقعية السياسية في هذه الحالة كانت تقتضي الإعلان الصريح بفشل إدارة الإقليم للملف الكردي السوري ، وتبديل الموقف السياسي ، والوسائل ، وطرق التعامل مع الكرد السوريين وحركتهم السياسية ، فالواقعية هي الاستجابة لمتطلبات الظروف المتبدلة ففي العقد الأخير جرت تغييرات بالعمق على مجمل بلدان الشرق الأوسط ، ومازالت متواصلة في مرحلتها الانتقالية ، ومايتعلق مباشرة بالحالة الكردية السورية التي نحن بصددها ، فقد سقط نظام الأسد الاستبدادي ، وجاءت حكومة انتقالية أبدت تفهما للقضية الكردية ، وأصدر الرئيس الانتقالي السيد احمد الشرع المرسوم -١٣ – لعام ٢٠٢٦ – كاعتراف للمرة الأولى بالكرد وقضيتهم وحقوقهم ، وتم قطع دابر اذرع ايران بسوريا وجوارها ، واعلن عن حل – ب ك ك – وهزيمة مشروعه بسوريا ، وتقلص النفوذ الإيراني في سائر بلدان المنطقة ، ورحل الروس عن سوريا ، وجرت تبدلات في العراق وكردستان ، الاتتطلب كل هذه التطورات تغييرا في الموقف من الملف الكردي السوري ؟ .
رابعا – ملامح مداخلة السيد رئيس إقليم كردستان العراق تشير الى احتمالية نوع من إعادة النظر بمسألة التعامل مع الملف الكردي السوري وهو ابراز نقيض ( المجلس الوطني الكردي ) بدلا عنه ، وعدم اعتباره حتى – ممثلا بالشراكة – عن الكرد السوريين وحركتهم السياسية ، وحتى ان غاب أي موقف ، او رد فعل لهذا المجلس المنتهي الصلاحية وكعادته ، فلااعتقد ان ذلك هو الطريق الى موقف جديد مفيد ، بل ان المطلوب من الاشقاء هو عدم الاعتراض ، وان امكن دعم مشروع المؤتمر الكردي السوري الجامع ، وعندما تتوحد الحركة السياسية ، وتنتخب من يمثلها حينها من المفروض ان يتم وضع أسس ، وقواعد جديدة لمجمل العلاقات القومية ، على قاعدة احترام خصوصيات الجميع التي يشدد عليها دائما الأخ الزعيم مسعود بارزاني ، وعدم التدخل بشؤون البعض الاخر ، واطلاق عملية التنسيق ، والعمل المشترك لفائدة الجميع .
خامسا – خلال تواصلي في الأيام الأخيرة مع العديد من الأصدقاء بإقليم كردستان العراق وبينهم مشاركون او قريبون من موقع القرار ، ولدى بحث ماجرى في ندوة – ميري – لم اسمع منهم سوى القول : ( مسؤولو المجلس الوطني الكردي يقيمون عندنا بالبيوت الفاخرة ، او الاوتيلات ، ولادور لهم في النضال الكردي السوري ) نعم لم اسمع سوى التركيز على هذا الجانب فقط ، وقد يكون هذا الحكم قاسيا نوعا ما ، ولكن وبعد الذي حصل في ندوة – ميري – واعتراض – المجلس – على عدم ادراجه في قائمة المدعوين ، واتهام إدارة – ميري – بمعاداة التعددية ، واعتبار الامر الأهم عدم دعوته ، في حين تجنب نهائيا الإشارة الى ماورد في مداخلة السيد رئيس الإقليم ، وهو الموضوع الأساسي الذي يتعلق بالموقف من تمثيل الكرد السوريين ، امام هذا الموقف الهزيل أتساءل هل ان أحزاب المجلس تشعر بالمسؤولية تجاه مصير شعبنا وحركتنا ؟ وهل تؤمن بالتعددية السياسية في الساحة الكردية السورية ؟ الم تعتبر ان المجلس هو الممثل الشرعي الوحيد للكرد السوريين ؟ الم تتوج في كونفرانس نيسان الحزبي بالقامشلي مظلوم عبدي ممثلا للكرد ؟ الم يتم استبعاد الوطنيين المستقلين ، والتيارات الفكرية والثقافية عن الكونفرانس ؟ .
سيناريوهات
أثارت ندوة – ميري – في دورتها الحالية المزيد من التساؤلات ، وطرحت الكثير من – السيناريوهات – الافتراضية من جانب المحللين المتابعين ، تجاوز البعض منها قضية الكرد السوريين ، والإيرانيين ومن ابرزها :
مشروع النفط والغاز
التحضير لانجاز مشروع القرن المتفق عليه بين دول الخليج والعراق حول التعاون والمشاركة في تامين طرق جديدة لتصدير النفط والغاز الى العالم عبر البحر الأبيض المتوسط ، وذلك باستخدام عدة طرق : خط جيهان نحو تركيا ، وخط سوريا بانياس ، وخط طرابلس لبنان عبر سوريا ، وستكون كركوك احدى الممرات الرئيسية ، وازدادت أهمية المشروع بعد الحرب على ايران ، والتوتر في مضيق هرمز الممر الوحيد حتى الان ، ودعوة الرئيس الأمريكي لاستخدام الخط البديل عبر سوريا .
جاء في دراسة معمقة بالموقع اللبناني ( اخباركم اخبارنا ) بقلم الصحافي الكردي – مسعود محمد – أن هذا المشروع الكبير – مشروع – القرن حتى لو تحقق فلن يكون له مردود مباشر على المناطق الكردية السورية ، فالانابيب اما ستمر الى تركيا عبر كردستان العراق ، او نحو البحر المتوسط عبر البادية الشرقية في سوريا ، ومن جانبي أقول ان للكرد السوريين تجربة مريرة مع نفط المنطقة الكردية – رميلان – ففي عهد الاستبداد كان النظام المستفيد الوحيد ومن دون ادراج مردود الإنتاج في خزينة الدولة ، وكانت منطقة الجزيرة تعاني الفقر ، حتى التوظيف كان مقتصرا على البعثيين وكتبة التقارير ، وبعد اندلاع الثورة كان الاتفاق الأول بعد وصول مسلحي – ب ك ك – تكليفهم بحماية حقل رميلان مقابل مبلغ شهري ، وتطور الوضع بحيث سيطر المسلحون على كامل الحقول في الجزيرة والفرات ، وازدادت المناطق الكردية فقرا ، واستفاد متنفذو جماعات – ب ك ك – وشركائهم خارج الحدود .
يقال ان تحقيق هذا المشروع الاستراتيجي حول الطاقة يتطلب تغييرات سياسية ، ميدانية حول منابعها وممرات عبورها ، بحيث تتبدد كل المشاكل القائمة ، ويحل الامن والأمان ، وفي هذا المجال هناك من يجب ان يدفع الثمن ، وبدلا من اجبار الأنظمة الحاكمة المقسمة للكرد بحل قضيتهم عبر الحوار الديموقراطي ، وعلى مبدأ حق تقرير مصير الشعوب ، والتعايش السلمي المشترك ، فان الطريق الاسهل هو تصفية قضايا الكرد في بعض الدول وليس حلها وذلك فداء للمشروع الاقتصادي الإقليمي العالمي .
عودة الى ماقبل – جالديران –
اعتبر البعض من المحللين ان تطبيق المشروع يتطلب اجراء تغييرات جوهرية على الخريطة الجيو سياسية الكردستانية ، ويقضي أولا بتضييق الخناق على المركز الرئيسي المتمتع بالفيدرالية ثم بتصفية القضية الكردية في المنطقة بمفهومها الراهن ، بماهي قضية حق تقرير المصير ، بل تحت مسميات تنظيرية أشبه بطرح – ب ك ك – ( الامة الديموقراطية ) هذا الحزب وبالرغم من وسمه بالإرهاب من جانب الغرب الى انه وفي كل تاريخه لم يلحق الضرر المباشر بالمصالح الامريكية والأوروبية بالمنطقة ، بل تم استخدام مسلحيه من جانب الأمريكيين في اكثر من مكان ، فهل سيكافأ ، ويتم الاعتماد على منظوره في تصفية القضية الكردية ؟ ، لقد كلف الدبلوماسي الأمريكي المثير للجدل ( بريت ماكغورك ) للاشراف على – قسد – في عهدي الديموقراطيين ، والجمهوريين ، وعرف بعرابها ويتحرك الان من جديد بعد غياب ، ولاشك وفي حال البدء بالتنفيذ ستشاهد المرحلة الأولى ترتيبات بشأن الكرد بما ترضي الأنظمة الحاكمة – اتفاق تركي إيراني – لاعادة تقسيم النفوذ بمايشبه ماكان قائما في القرن السادس عشر ماقبل اتفاقية – جالديران – وإقامة ولايتي الموصل وكركوك كما كان في العهد العثماني ، مع دعم وقبول الغرب لمثل هذه الترتيبات ، ومايجري في تركيا بخصوص حزب العمال الكردستاني ، ودور زعيمه عبد الله اوجلان ، يعزز هذه الفرضية بحسب المحللين .
شهد الكرد في تاريخهم أنواعا من التحالفات المعادية لطموحاتهم ، وحتى لانذهب بعيدا جدا ، يتذكر جيلنا الاصطفاف الغربي مع الأنظمة الرجعية المقسمة للكرد وبلادهم على شكل احلاف منذ – سعد اباد – وحتى – السنتو – مرورا بالاتفاقيات الثنائية ، والثلاثية ، وحتى الرباعية منذ بداية العام ١٩٩١ ، ثم محاولة تصفية الفيدرالية بالعراق ، ومن الملفت ان تلك التحالفات او معظمها كانت تتم بين أنظمة مختلفة التوجهات ( قومية – بعثية – اسلاموية ) ، اما الان فالانظمة الأربعة تقاد من جانب القوى الإسلامية ، مما قد يسهل تحقيق التفاهمات بينها حول المشروع المستقبلي للمنطقة . ( للبحث صلة )



