مقالات

أي سيادة تتظاهرون من أجلها

علي شمدين
في الوقت الذي تمضي فيه عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية والمؤسسات الإدارية التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة السورية نحو التنفيذ، وإن بوتيرة بطيئة، تشهد المناطق الكردية في سوريا، في المقابل، سلسلة من الأحداث والتطورات الخطيرة، تقف وراءها جهات حاقدة على الشعب الكردي وعلى وجوده القومي في سوريا، تضمّ في صفوفها عناصر من فلول النظام البعثي البائد وبقايا التنظيمات الجهادية المتطرفة، التي تتظاهر بالاحتماء  خلف العلم السوري.
لقد أسهمت تلك الأحداث في تصعيد خطاب الحقد والكراهية بين المكوّنات القومية المتعايشة في هذه المناطق، وتهديد أسس السلم الأهلي والعيش المشترك بينها. وكان آخر تلك الأحداث المظاهرات التي نظّمتها تلك الجماعات في حيّي غويران والنشوة بمدينة الحسكة، في التاسع من تشرين الأول الجاري، تحت شعار المطالبة ببسط سيادة الدولة السورية على كامل أراضي المحافظة. غير أن هذه المظاهرات، وكما كان متوقعاً، سرعان ما اتخذت منحى تصعيدياً ضد الشعب الكردي، إذ بدأ المتظاهرون بشتم رموزه القومية، واتهامه بالانفصالية والسعي إلى تقسيم البلاد، كما هدّدوا، باقتحام الأحياء الكردية في المدينة، وكاد ذلك أن يشعل فتنة قومية، لولا التزام الجماهير الكردية، التي تشكل أغلبية السكان في تلك المناطق، الهدوء وضبط النفس.
ولا شك أن البوصلة التي ظلّت توجّه هؤلاء العنصريين هي العقلية الشوفينية التي ترفض التنوع القومي والعيش المشترك في البلاد، وتعتبر كلَّ من يتكلم العربية عربيًّا. وهي تمتد بجذورها إلى المؤتمر التأسيسي لعصبة العمل القومي، الذي انعقد في لبنان عام 1933، إذ جاء في بيانها التأسيسي: «إننا ننكر ولا نعترف بوجود الأقليات، المذهبية أو العنصرية أو اللغوية، وليس لسكان البلاد العربية غير جنسية واحدة، هي الجنسية العربية، ولغة رسمية واحدة، هي اللغة العربية، وكل إخلال بهذه الوحدة جريمة وطنية تجب مقاومتها».
وقد تبنّى حزب البعث، الذي تأسّس عام 1947، هذه العقلية الإقصائية تجاه المكونات غير العربية التي ألحقت بالدولة السورية الحديثة إثر ترسيم حدودها وفقاً لاتفاقية سايكس-بيكو، ولا سيما الشعب الكردي، وقد بلغت هذه العقلية ذروتها مع استيلاء هذا الحزب على السلطة في البلاد عام 1963. وقد عبّر محمد طلب هلال، رئيس الشعبة السياسية في الحسكة، عن هذا الفكر الشوفيني بوضوح في الكرّاس الذي أصدره عام 1963 بعنوان «دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية»، إذ شبّه الوجود الكردي في سوريا بورم سرطاني، ودعا إلى اجتثاثه من الجذور، ولتحقيق ذلك، قدّم اثني عشر مقترحاً، كان من أبرزها تجويع الكرد وتهجيرهم وتجهيلهم وتعريبهم وإحداث تغيير ديمغرافي في مناطقهم التاريخية.
ولمواجهة هذه السياسات الإقصائية، أخذت الحركة الكردية في سوريا على عاتقها، منذ تأسيسها عام 1957، مسؤولية النضال ضد هذه السياسات الشوفينية والمشاريع العنصرية التي استهدفت الشعب الكردي ووجوده بوصفه ثاني أكبر قومية في البلاد. كما لم تتردد هذه الحركة في تقديم تضحيات جسيمة من أجل إنهاء الدكتاتورية والاستبداد، والمساهمة الفعلية في بناء سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية، تنعم فيها المكوّنات القومية والدينية بحقوقها الدستورية، من دون تفرقة أو تمييز.
ومن هنا، احتفت الحركة الكردية في سوريا، أكثر من غيرها، بسقوط نظام البعث أواخر عام 2024، الذي لم يوفر أية سياسة عنصرية من أجل إنهاء وجود الشعب الكردي في مناطقه التاريخية، و استبشرت خيراً بالمرحلة الانتقالية الجديدة التي أصدرت بعض القرارات والمراسيم الإيجابية التي تقرّ ببعض الحقوق الثقافية واللغوية للكرد السوريين، ووفرت لهم عدداً من المناصب الإدارية والعسكرية، وهي مكاسب إيجابية لا يمكن تجاهلها بكل تأكيد، لكنها لا ترقى إلى مستوى الحل الذي ظلّوا ينتظرونه لقضيتهم القومية، ولا إلى مستوى التضحيات التي قدموها بسخاء من أجل الحفاظ على سيادة وطنهم وحماية وحدة ترابه، وذلك بعكس ما يروجه العنصريون من اتهامات وأضاليل بحقهم، كتهمة الانفصال وتهديد السيادة الوطنية، في وقت هم أنفسهم يغمضون أعينهم عن الانتهاكات المستمرة لهذه السيادة في شمال البلاد وجنوبها، بل أن البعض منهم يشكلون الطابور الخامس لمثل هذه الانتهاكات.
فأي سيادة تتظاهرون من أجلها أيها المضللون؟!

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى