مقالات

حقّ الشاهد في استرداد نفقات حضوره أمام المحكمة: ضمانة قانونية يجهلها كثيرون

د. سيامند مزوري | دكتوراه في القانون العام 

لا تقتصر أهمية العدالة الجنائية على تنظيم إجراءات التحقيق والمحاكمة وتحديد حقوق المتهم والتزاماته، بل تمتد أيضاً إلى مراعاة حقوق الأشخاص الذين يسهمون في كشف الحقيقة، وفي مقدمتهم الشهود. فالشاهد قد يُضطر إلى قطع مسافة طويلة للوصول إلى المحكمة، أو تحمّل نفقات إضافية، أو التغيب عن عمله وفقدان أجره من أجل أداء الشهادة.

وإدراكاً لهذه الاعتبارات، منح المشرّع العراقي الشاهد إمكانية المطالبة بتقدير النفقات التي تكبّدها بسبب حضوره أمام المحكمة، وذلك بموجب المادة (66) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971.

أولاً: الأساس القانوني لحق الشاهد في المطالبة بالنفقات

نصّت المادة (66) على ما يأتي:

«يقدر القاضي بناء على طلب الشاهد مصاريف سفره والنفقات الضرورية التي استلزمها وجوده بعيدا عن محل اقامته والاجور التي حرم منها بسبب ذلك ويامر بصرفها على حساب الخزينة».

ويُستفاد من هذا النص أن المشرّع لم يكتفِ بتنظيم واجب الشاهد في الحضور والإدلاء بأقواله، بل أقرّ له إمكانية المطالبة بالنفقات المرتبطة بهذا الواجب، مع إسناد مهمة تقديرها إلى القاضي المختص، والأمر بصرف المبالغ المستحقة على حساب الخزينة.

ويُعدّ هذا التنظيم ضمانة إجرائية تهدف إلى الحد من الأعباء المالية التي قد يتحملها الشاهد نتيجة مساهمته في إجراءات الدعوى الجزائية.

ثانياً: ما النفقات التي يشملها النص القانوني؟

حدّدت المادة المذكورة ثلاثة أنواع من النفقات التي يجوز للشاهد طلب تقديرها:

1. مصاريف السفر

تشمل تكاليف انتقال الشاهد إلى المحكمة لأداء الشهادة، كأجور وسائل النقل التي اضطر إلى استخدامها. ومثال ذلك أن يُستدعى شخص يقيم في زاخو للحضور أمام محكمة في دهوك، فيتحمل أجور الانتقال ذهاباً وإياباً.

2. النفقات الضرورية الناشئة عن الوجود بعيداً عن محل الإقامة

قد يقتضي حضور الشاهد وجوده خارج محل إقامته مدة تستلزم تحمّل نفقات إضافية، مثل نفقات الإقامة الضرورية في الحالات التي يتعذر فيها الرجوع إلى محل السكن في اليوم نفسه. ويظل تقدير هذه النفقات مرتبطاً بضرورتها وظروف الحالة.

3. الأجور التي حُرم منها بسبب الحضور

يمتد النص إلى الأجر الذي يفقده الشاهد نتيجة حضوره لأداء الشهادة. ومن أمثلة ذلك العامل الذي يتقاضى أجراً يومياً ويضطر إلى ترك العمل للحضور أمام المحكمة، فيفقد أجر ذلك اليوم.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الأجر الذي حُرم منه الشاهد فعلاً وبين الأرباح التجارية المحتملة أو الخسائر التي يدّعيها صاحب المحل التجاري؛ إذ لا يجوز اعتبار كل خسارة مالية أجراً مستحقاً بموجب المادة المذكورة دون أساس قانوني.

ثالثاً: هل يستحق الشاهد هذه المبالغ تلقائياً؟

إن قراءة النص القانوني تكشف عن مسألة جوهرية، وهي أن تقدير النفقات مرتبط بتقديم الشاهد طلباً إلى القاضي، وليس بالصرف التلقائي بمجرد الحضور.

فعبارة «بناءً على طلب الشاهد» تعني أن على الشاهد المبادرة إلى المطالبة بالنفقات التي تكبّدها، مع بيان طبيعتها ومقدارها، وتقديم ما يتيسر من مستندات تؤيدها.

أما عبارة «يقدر القاضي» فتؤكد أن المبلغ المطالب به ليس ملزماً للمحكمة بمجرد تقديم الطلب؛ إذ يتولى القاضي تقدير النفقات والأجور التي يرى استحقاقها في ضوء النص القانوني وظروف الحالة.

وبالتالي، فإن حق الشاهد يتمثل في إمكانية المطالبة بالتقدير والصرف وفقاً للقانون، وليس في استحقاق تلقائي لأي مبلغ يحدده بنفسه.

رابعاً: من يتحمل هذه النفقات؟

حدّدت المادة (66) الجهة التي تُصرف على حسابها المبالغ المقدّرة، وهي خزينة الدولة.

وتكمن أهمية ذلك في أن النص لم يجعل هذه النفقات، لمجرد كونها ناشئة عن الدعوى الجزائية، التزاماً مالياً مباشراً على المشتكي أو المتهم، وإنما أسند صرفها إلى الخزينة وفقاً للإجراءات المعمول بها.

ويعكس هذا الحكم إدراك المشرّع أن الشاهد يؤدي دوراً في خدمة العدالة، وأنه قد يتحمل أعباء مالية بسبب مساهمته في إجراء قضائي لا يهدف بالضرورة إلى تحقيق مصلحة شخصية له.

خامساً: كيف يمكن للشاهد المطالبة بحقه؟

يمكن للشاهد الذي تكبّد نفقات بسبب حضوره أمام المحكمة أن يتقدم بطلب إلى القاضي المختص، يوضح فيه طبيعة المصاريف التي تحمّلها ومقدارها، والأسباب التي تربطها بالحضور لأداء الشهادة.

ويُستحسن أن يدعم طلبه بما يتوفر لديه من مستندات، مثل تذاكر النقل أو الوثائق التي تثبت الأجر الذي فاته، وأن يستفسر من المحكمة عن الإجراءات الإدارية المتبعة لتنفيذ قرار الصرف.

كما يُفضّل تقديم الطلب عند الحضور لأداء الشهادة أو في أقرب وقت ممكن، مع مراعاة الإجراءات التي تتبعها المحكمة المختصة.

خاتمة: معرفة الحقوق القانونية جزء من تحقيق العدالة

إن المادة (66) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي تمثل مثالاً على الأحكام القانونية التي قد يغفل عنها الأفراد رغم أهميتها العملية. فهي تتيح للشاهد المطالبة بتقدير مصاريف سفره ونفقاته الضرورية والأجور التي حُرم منها بسبب أداء الشهادة، وتُسند تقدير هذه المبالغ إلى القاضي، مع الأمر بصرفها على حساب الخزينة.

ومن هنا، فإن نشر الوعي بهذا الحق لا يقتصر على تعريف الشاهد بإمكانية المطالبة بالنفقات، بل يسهم أيضاً في تعزيز الثقافة القانونية وتوضيح أن الالتزامات المرتبطة بالتعاون مع القضاء تقابلها حقوق قررها القانون ضمن حدود معينة.

والسؤال الذي يستحق أن يُطرح: كم شاهداً يعرف هذا الحق؟ وكم شخصاً سبق له أن طلب من المحكمة تقدير نفقاته عند حضوره لأداء الشهادة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح الباب أمام أهمية نشر الثقافة القانونية، حتى لا تبقى الحقوق المقررة في النصوص القانونية بعيدة عن معرفة الأشخاص الذين وُضعت لحمايتهم.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى