مقالات

ملتقى ميري: الصور والمصافحات لا تصنع مكاسب سياسية

آزاد خليل
كاتب وباحث سياسي

لا أكتب في منطقة رمادية، ولا أعتقد أن التصفيق لكل شيء يمكن أن يكون خدمة لقضية سياسية أو لشعب يبحث عن مستقبل أفضل. في السياسة، قد تكون الحقيقة مرة، لكنها تظل أقل خطراً من الانتصارات الوهمية التي تصنعها الصور والمصافحات والبيانات.

من هذا المنطلق، أعتقد أن المشاركة الكوردية في ملتقى «ميري» في أربيل تستحق قراءة سياسية أكثر هدوءاً وعمقاً من مجرد الاحتفاء بالصور التي جمعت مظلوم عبدي مع رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني وقوباد طالباني. فالصورة قد تكون مهمة بروتوكولياً وإعلامياً، لكنها لا تصبح تلقائياً مكسباً سياسياً.

والسؤال الذي ينبغي طرحه بوضوح هو: ما المكسب السياسي الذي حققه الكورد في سوريا من هذه اللقاءات؟

هل حصلنا على ضمانات سياسية؟ هل اقتربنا من اعتراف دستوري بحقوق الكورد؟ هل أصبح موقفنا التفاوضي أقوى؟ هل حصلت مناطقنا على دعم حقيقي للتنمية وإعادة الإعمار؟ أم أننا نحتفل بمجرد ظهور سياسي جميل أمام الكاميرات؟

هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من قيمة اللقاء، بل هي جوهر السياسة نفسها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن امتلاك القوة العسكرية وحده لا يكفي لبناء مشروع سياسي مستدام. فالإدارة الذاتية، التي حكمت مساحة واسعة من شمال وشرق سوريا لأكثر من عقد، كانت أمام فرصة تاريخية لبناء نموذج إداري وتنموي قادر على إقناع السوريين والعالم بقدرتها على إدارة مناطقها.

لكن النتيجة، بكل صراحة، لم تكن بمستوى التوقعات.

صحيح أن هذه التجربة نشأت في ظروف استثنائية: حرب، تنظيم «داعش»، تهديدات عسكرية تركية، أزمة اقتصادية، غياب الاستقرار السوري، وضغوط إقليمية ودولية. وكل ذلك يجب أن يؤخذ في الاعتبار. لكن الظروف لا يمكن أن تصبح تفسيراً دائماً لكل إخفاق.

بعد أكثر من عشر سنوات، يحق لنا أن نسأل: ماذا تحقق في التنمية؟ ماذا تحقق في البنية التحتية؟ ماذا تحقق في مكافحة الفساد؟ ماذا تحقق في خلق فرص العمل؟ لماذا استمرت الهجرة؟ ولماذا بقيت مدن وبلدات كوردية كثيرة عاجزة عن الانتقال إلى مستوى أفضل من الخدمات والإدارة؟

هذه الأسئلة لا تستهدف شخصاً بعينه، وإنما تستهدف أداء مشروع سياسي وإداري بأكمله.

وهنا تحديداً تكمن المشكلة الأكبر. فالقضية الكوردية في سوريا لا ينبغي أن تختزل في شخص مظلوم عبدي أو إلهام أحمد، كما لا ينبغي أن تختزل في الإدارة الذاتية أو أي حزب سياسي. هناك أحزاب كوردية أخرى، ومستقلون، ومثقفون وأكاديميون ونخب سياسية ومدنية، وجميعهم جزء من المشهد الكوردي السوري.

إذا كان ملتقى ميري يبحث فعلاً مستقبل القضية الكوردية، فإن توسيع دائرة التمثيل يصبح ضرورة سياسية. فالقضية أكبر من الأشخاص، وأكبر من التنظيمات، وأكبر من التحالفات الظرفية.

كما أن تجربة إقليم كوردستان العراق تختلف جذرياً عن تجربة الكورد في سوريا. الإقليم يمتلك اعترافاً دستورياً ومؤسسات راسخة وتجربة سياسية طويلة. أما الكورد في سوريا فما زالوا يبحثون عن ضمانات دستورية واضحة وعن صيغة سياسية مستقرة تحفظ حقوقهم ضمن الدولة السورية.

لذلك، فإن الوقوف إلى جانب قيادات كوردستانية أمام الكاميرات ليس بحد ذاته إنجازاً. الإنجاز الحقيقي هو تحويل هذه العلاقات إلى نتائج سياسية ملموسة.

نحن بحاجة اليوم إلى الانتقال من سياسة الصور إلى سياسة النتائج، ومن الاحتفال بالمصافحات إلى بناء المؤسسات، ومن تبرير الأخطاء إلى مراجعتها، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل.

إذا أردنا الدفاع عن مستقبل الكورد في سوريا، فعلينا أولاً أن نعترف بخسائرنا، وأن نراجع تجربة السنوات الماضية بشجاعة، وأن نضع التنمية والحكم الرشيد ومكافحة الفساد والتعليم والاقتصاد في قلب المشروع السياسي.

فالسياسة لا تقاس بعدد الصور، ولا بعدد الشخصيات التي صافحناها، ولا بحجم التغطية الإعلامية.

السياسة تقاس بما ننجزه على الأرض، وبما نضمنه في الدستور، وبما نبنيه من مؤسسات، وبما نتركه للأجيال القادمة.

والكورد في سوريا اليوم لا يحتاجون إلى انتصارات مصوّرة بقدر ما يحتاجون إلى انتصارات حقيقية يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى