الترجمة عن الكردية: إبراهيم محمود
منذ العصور القديمة ومروراً بحقبة الدولة العثمانية، طاف العديد من المبشرين المسيحيين الأورُبيين في أرجاء الشرق الأوسط -وكردستان على وجه الخصوص- وقد أقاموا في المدن والأقضية والقرى الكردية، وعاشوا بين أفراد المجتمع الكردي، وسطَّروا كما ونشروا كتباً حول ملاحظاتهم وانطباعاتهم عن الكرد.
وقد ألّف العديد من هؤلاء المبشرين الأوربيين أعمالاً اجتماعية وتاريخية تناولت المجتمع الكردي، كما تطرقوا إليه في أدبيات رحلاتهم؛ وقد قامت دور نشر كردية بترجمة ونشر عدد من هذه الكتب، كما صدرت نسخ منها باللغة التركية في إسطنبول. وفي أوربا، نشأ نوع أدبي خاص ضمن أدب الرحلات استناداً إلى أعمال هؤلاء المبشرين. وتتشارك الآراء التي تبناها هؤلاء المبشرون الأوربيون حول الكرد في سمات مشتركة، منها: أن الكرد يتسمون بالكرم والشجاعة وينحدرون من أصول آرية، وأنهم يمتلكون تاريخاً عريقاً، وأنهم أقاموا أول إمبراطورية كبرى في العالم في حقبة ما قبل المسيحية، إلى جانب أمور أخرى.
ومع ذلك، لم يقم أي مبشر أوربي برحلة عبر كردستان الشمالية في الفترة ما بين عامي 1923 و1950. وتعود أسباب ذلك إلى ما يلي: لقد حظرت الدولة الكمالية العنصرية السفر إلى كردستان والتنقل داخلها. فمنذ اليوم الذي أسس فيه الجمهورية التركية، كان مصطفى كمال العنصري يضمر في ذهنه خطة لارتكاب مجازر بحق الكرد؛ ونتيجة لذلك، منع جميع الأجانب -بما في ذلك الأوربيون- من السفر إلى كردستان الشمالية. ففي الفترة الممتدة من 1923 إلى 1950، كان السفر إلى ما بعد مدينة “سيواس” -أي الدخول إلى كردستان- محظوراً بأمر من الدولة التركية العنصرية. وبالنظر إلى السنوات الواقعة بين 1923 و1950، يتضح أن الكماليين المتعطشين للدماء ارتكبوا مجازر بحق الشعب الكردي في كردستان الشمالية؛ فمن انتفاضة الشيخ سعيد الراحل إلى حركات التمرد في “ديرسيم” و”أغري”، ومن “كوتشغيري” إلى وادي “زيلان” في منطقة “سرحد”، سُفِكت دماء الشعب الكردي ونُفذت مجازر إبادة جماعية. مارست الدولة الكمالية سياسة المجازر والتهجير بحق الكرد بشكل مستمر حتى عام 1950. وفي انتخابات ذلك العام، مُني حزب الشعب الجمهوري (CHP) الكمالي بالهزيمة، ووصل الحزب الديمقراطي (DP) بقيادة عدنان مندريس إلى السلطة، مما أدى إلى انفراجة نسبية في التوترات؛ إذ كان الحزب الديمقراطي قد حقق فوزه الانتخابي ووصل إلى الحكم بفضل الكرد وأصواتهم. وفي عام 1950، رُفعت قيود السفر المفروضة على منطقة شمال كردستان، مما دفع العديد من المسافرين والصحفيين والكُتّاب الأوربيين للتوجه إلى تركيا وكردستان. وقد قام هؤلاء برحلات واسعة النطاق -لا سيما داخل كردستان- زاروا خلالها مدناً عديدة، ثم ألّفوا كتباً وأنتجوا أعمالاً استناداً إلى تجاربهم في تلك الرحلات. ومن بين هؤلاء الكُتّاب الذين جالوا في شمال كردستان عام 1950، يبرز اسم “اللورد كينروس”. سأتناول في هذا المقال الكتاب والرحلة التي قام بها الكاتب والمؤرخ البريطاني اللورد كينروس عبر شمال كردستان عام 1950. وقد تُرجم كتابه المعنون *أراضي الأناضول المقدسة* (الذي نُشر أصلاً باللغة الإنكليزية) إلى التركية، وصدر في ستانبول عام 2004 عن دار النشر “نوكتا كيتاب” (Nokta Kitap). يقع الكتاب في 230 صفحة ويتألف من أحد عشر فصلاً؛ حيث يناقش المؤلف في الفصول الخمسة الأولى منطقة البحر الأسود والشعوب والمجموعات العرقية التي تقطنها -مثل اللاز والجورجيين واليونانيين- بينما يركز، بدءاً من الفصل السادس، على الكرد ومدن شمال كردستان. يبدأ اللورد كينروس رحلته بالتوجه إلى منطقة “لازيستان”، ومنها يعبر إلى كردستان، فيزور مناطق ومدناً كردية مثل أغري (أرارات)، وأرضروم، ووان، وأخلاط، وتاتوان، وديار بكر، وأورفا. يحمل الفصل السادس من الكتاب عنوان “أرارات والكرد”، بينما يحمل الفصل السابع عنوان “قلعة أرضروم”، والثامن “بحيرة وان”، والتاسع “الكرد والعرب في جنوب الأناضول”. وفي الفصل الحادي عشر، يتحدث المؤلف عن أمة بائدة، ألا وهي “الحيثيون”، مشيراً إلى أن هذا الشعب كان آرياً -أو هندوأوروبياً- وأن لغتهم كانت تنتمي أيضاً إلى العائلة الهندوأورُبية. يتناول الفصل الحادي عشر أيضاً موضوع “كبادوكيا واليونانيين”. وتجنباً للإطالة، لم أقم بسرد تفاصيل محتويات كل فصل؛ غير أن هذا الكتاب يستحق القراءة من قِبَل محبي أدب الرحلات، وكذلك الأكراد الراغبين في معرفة كيف كانت تبدو مدن كردية مثل “آغري” و”أرضروم” و”وان” و”آمد” في عام 1950، والاطلاع على أحوال الأكراد في تلك الحقبة. لقد عرفتُ من خلال هذا الكتاب أن الأتراك لم يؤسسوا سوى مدينة واحدة طوال تاريخهم؛ إذ كانوا دائماً غزاةً ينهبون مدن الشعوب الأخرى ويحتلونها. فعلى امتداد تركيا وكردستان، لم يؤسس الأتراك -أو بالأحرى التركمان- سوى مدينة واحدة خلال القرن الثامن عشر، وهي مدينة “يوزغات: الكلمة مركَّبة، وتعني بالتركية: مائة طابق. المترجم”؛ حيث قامت قبيلة تركمانية تُعرف باسم “جابان أوغلو” (Çapanoğlus) بتأسيس هذه المدينة وأطلقت عليها ذلك الاسم المميز. وباستثناء “يوزغات”، لم يؤسس الأتراك أي مدينة أخرى. المصدر: رحلة الكاتب “لورد كينروس” في شمال كردستان – لقمان بولات.
.
Lokman Polat: Rêwîtîya nivîskar Lord Kinross ya li Bakurê Kurdistanê – Lokman Polat
عن كاتب المقال: لقمان بولات، كاتب كردي، مقيم في السويد. التقيت به قبل أكثر من عشرين عاماً في ستوكهولم، وأهداني بعض كتبه، وقد ترجمتُ له سابقاً، بعض مقالاته عن الرواية الكردية، وفصلاً من روايته ” الفيلسوف الكردي ” ناشراً إياها في مواقع الكترونية كُردية…
المترجم
==






