مفارقات في زمن الثورة السورية

صلاح بدرالدين

  كم عظيمة هذه الثورة الوطنية بتعبيرها عن ارادة السوريين في حب الحياة والخلاص من الاستبداد الشمولي والبحث عن وطن حر ودولة تعددية ديموقراطية وكم هي رائعة بعفويتها السلسة في الانتقال من مرحلة الى أخرى من دون الاذعان لآيديولوجية هنا وتدخلات خارجية هناك لقد أزالت عن جدارة الغشاوة عن العيون والقلوب وقدمت للعالم أجمع الوجه المشرق لشعبنا التواق الى الحرية والحياة الكريمة وبعكس معظم تجارب ” ثورات ” الربيع فقد انصهرت في البوتقة الوطنية  فوق فوارق القوم والدين والطائفة رغم كل المعوقات والاشكاليات وانفردت بالتمسك الصارم بحقيقة أن الداخل الثوري هو المصدر الرئيسي للشرعيتين الثورية والوطنية وأن كل مشاريع – المعارضات – ماهي الا مظاهر خارج اطار تاريخ الثورة التي يصنعها الثوار ودماء الشهداء والمضحون من أجل مبادىء الثورة وليس ركاب الموجة والمتسلقون والباحثون عن موقع أو جاه من التقليديين والحديثي العهد بمعارضة !! النظام .

  اذا كانت الثورة قد غيرت وجهة التاريخ السوري وأظهرت كل ماهو ايجابي ورائع في ثقافة شعبنا فالى جانب ذلك أفرزت الصالح من الطالح وكشفت عن الجانب السلبي الآخر في المعادلة بل فضحت أمام الملأ البعض الكثير من المظاهر المرضية والادعاءات المنافية للحقيقة والواقع التي تشكل عادة القاعدة الفعلية للثورة المضادة ومن أبرزها :

  أولا – رغم كل المساحيق المستعارة ومسلسل التغني بالبعث والعروبة والممانعة فقد كشفت الثورة السورية بصمودها الوجه الطائفي البغيض لنظام البعث الشمولي الفئوي الأحادي الذي استطاع تضليل القريب والبعيد قرابة نصف قرن والفضل يعود لثورتنا في تعرية حزب نصرالله الذي يجسد – الاسلام السياسي الشيعي – كفرقة ارهابية خارجة على الدولة اللبنانية تابعة لولاية الفقيه في ايران بعد أن سوق نفسه مقاوما لأكثر من عقدين .
  ثانيا – الثورة السورية وضعت المجتمع الدولي في قفص الاتهام لسكوته المريب عن نزيف الدم والدمار والتشرد واذا كانت جمهورية ايران الاسلامية لاتحتاج الى شاهد أو دليل في مذهبيتها الفظة وعدوانيتها وبؤرة رئيسية في صنع وتصدير الارهاب فقد كشفت الثورة عن طبيعة النظام الروسي المافيوزي الذي يجمع أسوأ ماكان في النظام السابق وأسخف ظواهر المجتمعات الرأسمالية  تحكمه الطغمة التجارية الحربية كما وضعت الادارة الأمريكية زعيمة الامبريالية العالمية والغرب عموما في وضع لايحسد عليه : التردد بين التمسك بالمصالح الوطنية والتفريط بمبادىء الحرية وحقوق الانسان  .
  ثالثا – كانت الثورة السورية كفيلة بتعرية النظام العربي الرسمي المتجسد بجامعة الدول العربية وعجزه كما وضعت البقية الباقية من مصداقية الدول العربية في الميزان هل هي فعلا مع ثورات الربيع عامة والثورة السورية الفريدة من نوعها التي تهدف حقيقة الى التغيير واسقاط النظام وتفكيك سلطة الاستبداد واعادة بناء الدولة الجديدة أم أنها ترمي الى فرض سيطرة الاخوان المسلمين أو السلفيين وترك الثورات في منتصف الطريق لتواجه مصيرها أو تدفعها صوب أنصاف الحلول المدمرة المزمع تمريرها في جنيف 2 وصولا الى اعادة الروح للنظام الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة .
  رابعا – داخليا كانت ومازالت الثورة بمبادئها وسلوكها المرجعية والمقياس الأول والأخير لصدقية وجدية هذا الطرف – المعارض – أو ذاك هذه الكتلة أو تلك ولها الحكم النهائي على ادعاءات جماعة – ميشيل كيلو – حول الزعم باستكمال وحدة – المعارضة – ساعة انضمام بعض أفرادها بالتزامن مع انسحاب كتلة ثورية مهمة من الائتلاف وهي – الهيئة العامة للثورة – ولاشك أن الحذر من المنضمين الجدد سيكون سيد الموقف لأنهم يحملون أجندة مريبة في الالتحاق بجنيف وصولا الى الحوار والتصالح مع النظام وذلك لايعني أبدا اعفاء الأعضاء الأقدمون من تلك الملابسات .
  خامسا – الثورة بسعة صدرها وصبرها الطويل عملت على انكشاف أمر الأحزاب الكردية وازدواجية مواقفها وتلاعبها بالألفاظ والتثبت من موالاة القسم الأكبر وعلى رأسها جماعات – حزب العمال الكردستاني التركي – لنظام الاستبداد ووقوف القسم الآخر تحت شعار – الحياد – بين الثورة والنظام وهو عمليا يصب في صالح السلطة من جهة أخرى ليس من السهل على تلك الأحزاب تسويق مقولة ” الممثل الشرعي الوحيد لكرد سوريا ” وتجاوز الحراك الثوري الكردي الشبابي والأكثرية الصامتة والوسط الوطني المناضل ضد الاستبداد منذ قرابة نصف القرن خاصة في زمن الثورة الوطنية التي هي الممثل الحقيقي من دون منازع لارادة السوريين عموما وبينهم الكرد على ضوء شعاراتها وممارساتها الفعلية من أجل اسقاط الاستبداد واعادة البناء وتحقيق التغيير الديموقراطي .

  ثورة بهذه الصفات وبهذا الدور والتأثير وبتلك الانجازات منتصرة حتى لو تأخرت ساعة الصفر أياما وأسابيع وشهورا وتستحق كل الرعاية والدعم من القريب والبعيد .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…