شادي حاجي
بات من الضروري أن تواجه الحركة السياسية الكردية في سوريا سؤالاً بشجاعة: ماذا بعد حلّ قوات سوريا الديمقراطية واندماجها في الجيش السوري، وإنهاء الإدارة الذاتية؟ وهل كانت المشكلة في دمشق وحدها، أم أن ما جرى كشف أيضاً أزمة داخلية في بنية الحركة وقدرتها على قراءة التحولات وبناء مشروع مستدام؟
طرح هذا السؤال لا يبرّئ دمشق ولا يقلّل من أثر التدخلات الإقليمية والدولية، لكنه يعني الاعتراف بأن عدالة القضية لا تكفي وحدها. فقد تكون الحقوق مشروعة والتضحيات كبيرة، ويبدّد غياب الرؤية الموحدة والأدوات السياسية الفاعلة كثيراً من فرص تحقيقها.
انتهاء الإدارة الذاتية لا يعني انتهاء القضية
شكّلت الإدارة الذاتية و«قسد» مرحلة ارتبطت بها تضحيات وتجارب تستحق البحث والدراسة والتقييم الموضوعي. لكن التحولات الأخيرة أثبتت أن السيطرة على الأرض والقوة العسكرية لا تضمنان اعترافاً دستورياً دائماً ولا نفوذاً سياسياً مستقراً.
والمطلوب اليوم التمييز بين المكتسبات التي ينبغي الحفاظ عليها، والأخطاء التي تستوجب المراجعة، والصيغ التي لم تعد قابلة للاستمرار. فالحقوق الكردية في اللغة والثقافة والمواطنة المتساوية والمشاركة السياسية لا تستمد مشروعيتها من إدارة ذاتية أو قوة عسكرية، بل من حق الكرد في أن يكونوا شركاء متساوين في وطنهم.
من يمثل الكرد في المرحلة المقبلة؟
تكررت الدعوات إلى وحدة الصف الكردي، وصولاً إلى مؤتمر قامشلو في نيسان/أبريل 2025، لكن العبرة ليست في عدد المؤتمرات والبيانات، بل في قدرة القوى على تجاوز خلافاتها وبناء مرجعية مشتركة. ومع تغير الواقع، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: من سيمثل الكرد في صياغة الدستور وتحديد شكل الدولة ونظام الحكم والحقوق القومية؟ حزب الاتحاد الديمقراطي، أم المجلس الوطني الكردي، أم إطار أوسع يستند إلى تفويض مجتمعي حقيقي؟
التمثيل ليس امتيازاً تاريخياً ولا حقاً دائماً لحزب أو قيادة، بل مسؤولية تستمد شرعيتها من المجتمع وتتجدد بالثقة والمساءلة. وإن عجزت الحركة عن الاتفاق على برنامج مشترك، فقد تجد نفسها خارج القرارات التي تحدد مستقبلها.
دمشق مسؤولة، لكن التعويل عليها وحدها خطأ
تتحمل دمشق مسؤولية أساسية في ضمان الحقوق الكردية، ولا ينبغي أن يتحول إنهاء الإدارة الذاتية إلى مبرر للإقصاء. كما أن دمج «قسد» في الجيش لا يحسم قضايا التمثيل واللامركزية وضمانات المشاركة في مؤسسات الدولة.
لكن السؤال لا يقتصر على ما ستمنحه دمشق، بل يشمل ما أعدّته القوى الكردية للتفاوض: ما تصورها لشكل الدولة السورية؟ وما صيغة اللامركزية التي تراها مناسبة ضمن دولة موحدة؟ وكيف تحوّل مطالبها إلى ضمانات دستورية ومؤسساتية، وتبني تحالفات سورية أوسع للدفاع عنها؟ ومن لا يملك إجابات واضحة قد يجد نفسه أمام تسوية صاغها الآخرون.
الخارج ليس بديلاً عن القوة الداخلية
أثبتت التجربة أن الدعم الخارجي تحكمه مصالح الدول، وأن التحالفات تتغير بتبدل الأولويات، فلا يصحّ بناء مستقبل القضية على انتظار الحماية الخارجية. والقوة الحقيقية تُقاس بالقدرة على بناء المؤسسات، وكسب ثقة المجتمع، وتوسيع التحالفات، وتقديم مشروع يقنع السوريين بأن الحقوق الكردية جزء من مستقبل ديمقراطي مشترك.
المراجعة تبدأ من المجتمع
لا تستعيد أي حركة دورها دون مراجعة تجربتها ومصارحة مجتمعها. فالمواطن الكردي يريد إجابات عن حياته اليومية: هل لغته وثقافته مصانتان؟ هل هو متساوٍ أمام القانون؟ هل يستطيع العمل والعودة إلى بيته بأمان؟ وهل له صوت حقيقي في القرار؟
ومن حق المجتمع أن يسأل عن أداء المؤسسات السابقة، والحريات، والشفافية، وإدارة الموارد، وأن يطالب بتجديد القيادات وتوسيع مشاركة الشباب والنساء والكفاءات المستقلة. فنقد التجربة لا ينكر ما تحقق، والاعتراف بالتضحيات لا يعفي القيادات من المساءلة؛ والحركة التي تخشى النقد تفقد قدرتها على التعلم.
المطلوب: مشروع سياسي جديد
تحتاج الحركة إلى ما هو أبعد من إعادة ترتيب التحالفات أو تغيير الشعارات: مرجعية مشتركة، وبرنامج واضح، وآليات مساءلة، وتحالفات وطنية قائمة على المساواة والشراكة، وتفاوض لضمان الحقوق الدستورية والثقافية وحماية المكتسبات المدنية المشروعة ومنع الإقصاء.
وانتهاء الإدارة الذاتية بصيغتها السابقة يجب ألا يكون نهاية الدور السياسي الكردي، بل فرصة لإعادة تعريفه على أسس أكثر واقعية واستقلالية. فالقضية لا تحتاج إلى استعادة الصيغ القديمة بقدر حاجتها إلى مشروع يحمي الحقوق في ظل المتغيرات. والوحدة المطلوبة ليست وحدة الأحزاب في البيانات، بل وحدة الرؤية والخطاب والبرنامج والقرار.
المشكلة ليست دمشق وحدها
تتحمل دمشق مسؤولية تاريخية وسياسية، وتبقى التدخلات الخارجية عاملاً مؤثراً، لكن ذلك لا يعفي الحركة الكردية من مراجعة تجربتها والاعتراف بأخطائها وإعادة بناء أدواتها. فالقضية العادلة لا تضمن الانتصار، وانتهاء مرحلة لا يعني نهاية الطريق. والمعركة المقبلة ليست على الأرض والسلاح والإدارة وحدها، بل على الدستور والحقوق والتمثيل والشراكة في سوريا الجديدة.
فهل تستطيع الحركة إعادة بناء نفسها قبل أن يُعاد رسم مستقبل سوريا من دونها؟
المشكلة ليست دمشق وحدها، بل أيضاً في قدرتنا على مراجعة أنفسنا وتحويل قضيتنا العادلة إلى مشروع سياسي واضح يمتلك الشرعية والإرادة والقدرة على التأثير.
وإلى مستقبلٍ أفضل.




