مقالات

الحسكة على صفيح ساخن: مظاهرات السيادة تكشف هشاشه الاندماج وخطر الفتنه

مزكين حاجو

في غرب كوردستان، تحولت مدينة الحسكة خلال الأيام الماضية إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة الانتقالية على فرض سيادتها دون أن تنزلق البلاد إلى صراع أهلي جديد. المظاهرات التي خرجت تحت شعار «جمعة العلم السوري» في 2 و9 /10/ 2026 لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل صرخة جماعية كشفت الفجوة الكبيرة بين الاتفاقات السياسية على الورق والواقع الميداني على الأرض.

اتفاق لم يكتمل تنفيذه

بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول2024، وقّعت الحكومة السورية الانتقالية اتفاقاً مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 29 كانون الثاني 2026. الاتفاق يقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية السابقة — المدنية والأمنية والعسكرية — تدريجياً ضمن مؤسسات الدولة. كان يُنظر إليه كخطوة مهمة لإنهاء حالة الازدواجية التي سادت المنطقة لسنوات.
لكن التنفيذ جاء بطيئاً ومتقطعاً. بقيت بعض الأحياء والمناطق في الحسكة تحت نفوذ فعلي لقسد أو تشكيلات مرتبطة بها، بينما رفعت الدولة علمها على بعض المباني الرسمية مثل القصر العدلي. هذه الازدواجية الأمنية والإدارية ولّدت إحباطاً واسعاً لدى السكان، خاصة في الأحياء ذات الغالبية العربية مثل غويران والنشوة والعزيزية، وفي بلدات الريف الجنوبي.

ماذا يريد المتظاهرون؟

المطالب التي رُفعت في ساحة الحرية وسط الحسكة كانت واضحة:
– بسط سيادة الدولة ومؤسساتها على كامل أراضي المحافظة.
– تولي قوى الأمن الداخلي المسؤولية الأمنية كاملة. – فتح باب الانتساب أمام شباب المنطقة.
– تفعيل الدوائر الخدمية بعد سنوات من التدهور.
– كشف مصير المعتقلين والمغيبين في سجون قسد السابقة.
– رفض المحاصصة في التعيينات واعتماد الكفاءة.

هذه المطالب تعبر عن واقع يومي يعيشه السكان: خدمات متردية، أمن غير مستقر، وشعور بأن الدولة موجودة شكلياً فقط. المشاركة الشعبية الواسعة، بما فيها توافد أهالي الشدادي والحدادية والرشيدية، تؤكد أن الغضب حقيقي وشعبي، وليس مجرد تحريض خارجي.

التوتر العرقي يهدد الجميع

غير أن المظاهرات لم تبقَ سلمية تماماً. شهدت المدينة اعتداءات على مواطنين أكراد وممتلكاتهم، وتمزيق صور شهداء الأسايش، وشعارات قومية متشددة، وفي بعض الحالات حرق للعلم الكردي. في المقابل، خرج شباب كرد في أحياء مثل تل حجر لحماية مناطقهم، ورفعت «الشبيبة الثورية» أعلاماً حزبية.

هنا تكمن الخطورة. الحسكة مدينة متعددة المكونات (عرب وكورد وسريان وآشوريون). أي تصعيد عرقي قد يحول مطالب مشروعة إلى فتنة أهلية يصعب احتواؤها. أحزاب كوردية عدة حذرت من «المظاهرات الأحادية» ودعت إلى معالجة المطالب عبر القنوات السلمية، محذرة من تعميق الانقسام الاجتماعي.

الاتهامات متبادلة: جهات تتحدث عن محاولات لعرقلة اتفاق الدمج، وأخرى تتهم أطرافاً باستغلال الغضب الشعبي. الحقيقة أن الغضب شعبي أصيل، لكن هناك من يحاول ركوبه لتحقيق أجندات خاصة.

تدخل حذر

الحكومة الانتقالية لم تكن غائبة. قوى الأمن العام فرضت طوقاً أمنياً، نشرت تعزيزات عند المفاصل الرئيسية، منعت الاحتكاك بين الأحياء، واعتقلت عدداً من مثيري الشغب. المحافظ نور الدين أحمد أكد أن التعبير عن الرأي حق مشروع، ودعا إلى السلمية.

لكن التدخل بقي حذراً. السبب واضح: أي استخدام مفرط للقوة قد يشعل فتيل الصراع العرقي في مرحلة انتقالية حساسة. الحكومة تفضل إدارة التوتر بدلاً من حسمه بالقوة، مع محاولة تسريع تفعيل المؤسسات. هذا النهج يحافظ على الهدوء النسبي حالياً، لكنه يترك الشعور بالإحباط قائماً لدى المتظاهرين.

اختبار لمستقبل الدولة

أحداث الحسكة ليست معزولة. هي جزء من معادلة أكبر تتعلق بقدرة الدولة الانتقالية على إعادة بناء الشرعية في مناطق كانت خارج سيطرتها لسنوات. إذا فشلت في تحويل اتفاق الدمج إلى واقع ملموس — مؤسسات فعالة وأمن موحد وخدمات حقيقية — فإن الغضب سيتكرر في أماكن أخرى.

الخطر الأكبر ليس في المظاهرات نفسها، بل في تحولها إلى صراع بين مكونات المجتمع. سوريا الخارجة من حرب مدمرة لا تحتمل فتنة عرقية جديدة. النجاح يتطلب خطوات واضحة: تسريع الدمج الفعلي، ضمان تمثيل عادل لجميع المكونات، محاسبة من يثير الفتنة أياً كان انتماؤه، وتقديم إنجازات خدمية ملموسة للسكان.

الحسكة اليوم مرآة لسوريا الغد. إما أن تنجح الدولة في فرض سيادتها بعدالة وحكمة، أو أن تتحول مطالب السيادة إلى شرارة فتنة قد يصعب إطفاؤها. الخيار لا يزال مفتوحاً، لكنه لن يبقى كذلك طويلاً.

السويد 2026/10/11

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى